34 - دلالة : فأما قوله عز وجل :
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ 52 ] . وقد ثبت أنه تعالى ممن لا يجوز عليه الشك ، فيجب أن يكون المراد بذلك : لكي تشكروا ، على طريقة اللغة ، وذلك يدل على أنه لم يرد من جميعهم إلا الشكر ، وذلك يبطل القول بأنه أراد منهم ما يختارون ، فأراد من الكافر الكفر ومن الشاكر الشكر ، ولذلك لم يذكر تعالى في شيء من كتابه : لعلكم تكفرون وتعصون ، وإنما ذكر ذلك في الطاعات .
35 - مسألة : قالوا : وقد قال بعد ذلك ما يدل على جواز الرؤية عليه تعالى « 1 » ، فقال :
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
[ 55 ] فترك موسى عليه السلام إنكار ذلك ، وهذا يدل على أنه مجوّز ؛ وإن كان الصلاح أن لا تروه إلا في الآخرة .
هامش
( 1 ) مشكلة الرؤية من أهم الموضوعات التي اختلفت فيها آراء علماء الكلام . والمعتزلة - على أصلهم في التنزيه المطلق ونفى الجسمية والجهة - أنكروا رؤية اللّه تعالى في الدنيا والآخرة .
والمشبّهة والكرّاميّة لما قالوا بالجسمية ذهبوا إلى جواز رؤيته تعالى في كل وقت ، وهم يسلمون بأنه تعالى لو لم يكن جسما لما صح أن يرى . أما الأشعرية فقالوا بامكان رؤية اللّه في الآخرة دون الحياة الدنيا . وإن كانوا لا يكيّفون هذه الرؤية ، ولهذا فان القاضي يحصر الخلاف في هذا الموضوع مع الأشعرية وحدهم ، ويرى أيضا أن هذه المسألة مما يصح الاستدلال عليها بالسمع والعقل جميعا ؛ لأن صحة السمع لا تقف عليها ، ويقول في ذلك :
« كل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن » .
انظر : شرح الأصول الخمسة : 232 - 277 . ضحي الاسلام : 3 / 26 - 28 وانظر أدلة الأشعرية على « جواز رؤية الباري عقلا ، ووجوبها سمعا » مع نقاش أدلة المعتزلة : نهاية الإقدام للشهرستاني : القاعدة السادسة عشرة ص 356 - 369 . وانظر كذلك الخلاصة الجامعة ، التي كتبها الأستاذ الدكتور محمود قاسم تحت عنوان : « الرؤية » في مقدمته النقدية لدارس علم الكلام ، على مناهج الأدلة لابن رشد : 81 - 88 . وارجع - إن شئت - إلى ما ألقى به جولد تسهر من كلام حول هذا الموضوع ، وما صوره به وتسقط له من الأخبار :
مذاهب التفسير الاسلامي : 124 - 129 .