تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
فإن قيل : فأيّ فائدة في وصف العباد بهذه القسمة ؟ وكيف عدل عن وصف الذين اصطفاهم ، وورّثهم الكتاب ؟ قلنا : الوجه في ذلك ظاهر ؛ لأنّه تعالى لما علّق توريث الكتاب بمن اصطفاهم من عباده أراد أن يبيّن وجه الاختصاص ؛ وإنّما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض ؛ لأنّ في العباد من هو ظالم لنفسه ، ومن هو مقتصد ، ومن هو سابق بالخيرات ؛ فوجه المطابقة بين الكلام واضح . ونحن الآن متبعون ما قيل في تأويل هذه الآية ؛ وموضّحون عمّا فيه من صحّة أو اختلال « 1 » . ذكر أبو عليّ الجبّائيّ ومن تابعه أنّ المراد بالذين اصطفوا الأنبياء عليهم السّلام ، والظالم لنفسه من ارتكب الصغيرة منهم ؛ وإنّما وصف بذلك من حيث فوّت نفسه الثواب الذي زال عنه بفعل الصغيرة ، ويؤدّي سائر الواجبات . والسابق إلى الخير هو الذي استكثر من فعل النوافل ؛ وهذا التأويل يفسد من جهة أنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يقع منهم شيء من المعاصي والقبائح . وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا المعروف « بتنزيه الأنبياء والأئمّة » عليهم السّلام . ولو عدلنا عن ذلك لم يجز ما قاله ؛ لأنّ قولنا : فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ ، والذمّ لا يستحقّه فاعل الصغيرة ؛ فكيف تجرى عليه أوصاف الذم ؟ ولا شبهة في أنّ قولنا : فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ ؛ لأنّهم يقولون في كلّ من فعل قبيحا : إنّه قد ظلم ، من حيث فعل ما يستحقّ به العقاب ؛ وكأنّه أدخل على نفسه ضررا ما كان يستحقّه ، فأشبه بذلك الظالم لغيره . ولا يجوز أن يوصف فاعل الصغيرة بأنّه ظالم لنفسه من حيث فوّت نفسه
هامش
( 1 ) أقول : ما نقله من الأقوال هنا يختلف عما نقله في الرسائل ؛ فإنّه قال هناك : قال أبو عليّ الجبائي : « ظالم لنفسه » أي أنه يعمل عليها في العبادة ويضربها ، كما يقول القائل : فلان ظالم للنفسه ، لفرط صومه وكثرة صلاته ، وهذه صفة مدح . وقال آخرون : « ظالم لنفسه » بفعل الصغائر . الرسائل ، 3 : 102 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 236 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي