والباقي حروف يعصى لأن ترك المعاصي يبعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، فصار تركها كافيا من العقاب وهاديا إلى الثواب وهذا أوجز وأعجز من كل كلام موجز لأنه قد جمع في حروف كلمة معاني كلام مبسوط وتعليل أحكام وشروط .
ثم ذكر حال من كفاه وهداه فقال :
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا
فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سأله فاحتمل وجهين :
أحدهما : أنه رحمه بإجابته له .
الثاني : أنه إجابة لرحمته له .
قوله تعالى :
. . . . نِداءً خَفِيًّا
[ فيه قولان ] « 605 » .
أحدهما : قاله ابن جريج ، سرا لا رياء فيه . قال قتادة إن اللّه يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي فأخفى زكريا نداءه لئلا ينسب إلى الرياء فيه .
الثاني : قاله مقاتل ، إنما أخفى لئلا يهزأ الناس به ، فيقولون انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد .
ويحتمل ثالثا : أن إخفاء الدعاء أخلص للدعاء وأرجى للإجابة للسنة الواردة فيه : إن الذي تدعونه ليس بأصم « 606 » .
قوله تعالى :
. . . إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
أي ضعف وفي ذكره وهن العظم دون اللحم وجهان :
أحدهما : أنه لما وهن العظم الذي هو أقوى كان وهن اللحم والجلد أولى .
الثاني : أنه اشتكى ضعف البطش ، والبطش إنما يكون بالعظم دون اللحم .
هامش
( 605 ) زيادة يقتضيها السياق .
( 606 ) جزء من حديث لأبي موسى الأشعري مرفوعا .
رواه البخاري ( 6 / 94 ) ومسلم ( 4 / 2576 ) .