تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
الذين لا يستوى ظاهرهم وباطنهم في التصديق . وهكذا كان المتقدمون من أهل الزّلّة والفترة في الطريقة ، والخيانة في أحكام المحبة فعذّبوا بالحرمان في عاجلهم ، ولم يذوقوا من المعاني شيئا . قوله جل ذكره :
« أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ »
؟ . أي : حقير . وإذ قد علمتم ذلك فلم لم تقيسوا أمر البعث عليه ؟ ويقال : ذكّرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم ؛ فإنه لا جنس من المخلوقين والمخلوقات أشدّ دعوى من بني آدم . فمن الواجب أن يتفكّر الإنسان في أصله . . . كان نطفة وفي انتهائه يكون جيفة ، وفي وسائط حاله كنيف في قميص ! ! فبالحريّ ألّا يدلّ ولا يفتخر :
كيف يزهو من رجيعه * أبد الدهر ضجيعه
فهو منه وإليه * وأخوه ورضيعه
وهو يدعوه إلى الحشّ « 1 » * بصغر فيطيعه ؟ ! !
ويقال : يذكّرهم أصلهم . . كيف كان كذلك . . ومع ذلك فقد نقلهم إلى أحسن صورة ، قال تعالى :
« وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ » *
، والذي يفعل ذلك قادر على أن يرقّيك من الأحوال الخسيسة إلى تلك المنازل الشريفة . قوله جل ذكره :

[ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 25 إلى 31 ]

أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 )
« كِفاتاً »
أي : ذات جمع ؛ فالأرض تضمهم وتجمعهم أحياء وأمواتا ؛ فهم يعيشون على ظهرها ، ويودعون بعد الموت في بطنها . .
« وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً »
.
هامش
( 1 ) الحش بفتح الحاء وضمها - الكنيف . والمقصود : كيف ترهو أيها الإنسان ، وإن ما يقذفه جسمك من فضلات ملازم لك حياتك : ليلك ونهارك ، وأنت تطيعه صاغرا إذا أمرك ودعاك بالذهاب إلى الحش ؟