لا يرفعون أصواتهم فيما بينهم لئلا يسمعهم أحد . وقصدوا إلى الصرام
« عَلى حَرْدٍ »
أي :
قادرين عند أنفسهم ، ويقال : على غضب منهم على المساكين .
فلمّا رأوا الجنة وقد استؤصلت قالوا : ليست هذه جنتنا ! ! ثم قالوا : بل هذه جنّتنا . . . ولكنّا حرمنا خيرها .
قال أوسطهم : أي أعدلهم طريقة وأحسنهم قولا :
« أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ؟ »
أي : تستثنون وتقولون : إن شاء اللّه « 1 » .
« قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ »
ثم أقبل بعضهم على بعض يتلاومون ، ويقولون :
[ سورة القلم ( 68 ) : آية 33 ]
كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 33 )
قال تعالى :
« كَذلِكَ الْعَذابُ »
لأهل مكة
« وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ »
:
وهكذا « 2 » تكون حال من له بداية حسنة ويجد التوفيق على التوالي ، ويجتنب المعاصي ، فيعوضه اللّه في الوقت نشاطا ، وتلوح في باطنه الأحوال . فإذا بدر منه سوء دعوى أو ترك أدب من آداب الخدمة تنسدّ عليه تلك الأحوال ويقع في قره « 3 » من الأعمال . فإذا حصل منه بالعبادات إخلال ، ولبعض الفرائض إهمال - انقلب حاله ، وردّ من الوصال إلى البعاد ، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب ، فصارت صفوته قسوة . وإن كان له بعد ذلك توبة ، وعلى ما سلف منه ندامة - فقد فات الأمر من يده ، وقلمّا يصل إلى حاله .
هامش
( 1 ) هذا أيضا رأى مجاهد ، فجعل قول : إن شاء اللّه من التسبيح ، وهذه هي حقيقة تقديم المشيئة ، فهي تنزيه للّه بأن لا شئ إلا بمشيئته .
( 2 ) هذه الإشارة موجهة إلى أرباب السلوك يقصد بها إلى التوضيح أن العبرة بالخواتيم ، وينبغي الاهتمام بهذه الفقرة كلها عند بحثنا عن « وصايا القشيري للمريدين » .
( 3 ) جمع أقره وهو ما اسودّ من الجلد وتقشّر .