إذا صدق العبد في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تخرج من بين العجين لا يعلق بها شئ . ويضرب اللّه تعالى على المتّقى سرادقات عنايته ، ويدخله في كنف الإيواء ، ويصرف الأشغال عن قلبه ، ويخرجه من ظلمات تدبيره ، ويجرّده من كل أمر ، وينقله إلى شهود فضاء تقديره .
قوله جل ذكره :
« وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ »
.
لم يقل : ومن يتوكل على اللّه فتوكّله حسبه ، بل قال : فهو حسبه ؛ أي فاللّه حسبه أي كافيه .
« إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً »
.
إذا سبق له شئ من التقدير فلا محالة يكون ، وبتوكّله لا يتغير المقدور ولا يستأخر ، ولكنّ التوكّل بنيانه على أن يكون العبد مروّح القلب غير كاره . . وهذا من أجلّ النّعم .
قوله :
[ سورة الطلاق ( 65 ) : آية 4 ]
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ( 4 )
التوكل : شهود نفسك خارجا عن المنّة « 1 » تجرى عليك أحكام التقدير من غير تدبير منك ولا اطّلاع لك على حكمه ، وسبيل العبد الخمود والرضا دون استعلام الأمر ، وفي الخبر :
« أعوذ بك من علم لا ينفع » : ومن العلم الذي لا ينفع - ويجب أن تستعيذ منه - أن يكون لك شغل أو يستقبلك مهمّ من الأمر ويشتبه عليك وجه التدبير فيه ، وتكون مطالبا بالتفويض - فطلبك العلم وتمنّيك أن تعرف متى يصلح هذا الأمر ؟ ولأي سبب ؟ ومن أيّ وجه ؟ وعلى يد من ؟ . . . كل هذا تخليط ، وغير مسلّم شئ منه للأكابر .
فيجب عليك السكون ، وحسن الرضا . حتى إذا جاء وقت الكشف فسترى صورة الحال وتعرفه ، وربما ينتظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام أو ينظر في ( . . . ) « 2 » من الجامع ،
هامش
( 1 ) المنة بضم الميم هي ما في إمكان الإنسان وحيلته واستطاعته .
( 2 ) مشتبهة في النسختين .