وأهل الصفاء لم تبق عليهم من هذه الأشياء بقية ، وأمّا من بقي عليه منها شئ فمترسّم « 1 » سوقيّ . . لا متحقّق صوفيّ .
قوله جل ذكره :
« وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »
هذا أصل من أصول وجوب متابعته ، ولزوم طريقته وسيرته - وفي العلم تفصيله .
والواجب على العبد عرض ما وقع له من الخواطر وما يكاشف به من الأحوال على العلم - فما لا يقبله الكتاب والسّنّة فهو في ضلال « 2 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 8 ]
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 8 )
يريد أن هذا الفيء لهؤلاء الفقراء الذين كانوا مقدار مائة رجل .
« يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ »
وهو الرزق
« وَرِضْواناً »
بالثواب في الآخرة .
وينصرون دين اللّه ،
« أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ »
: والفقير الصادق هو الذي يترك كلّ سبب وعلاقة ، ويفرغ أوقاته لعبادة اللّه ، ولا يعطف « 3 » بقلبه على شئ سوى اللّه ، ويقف مع الحقّ راضيا بجريان حكمه فيه .
هامش
( 1 ) هكذا في م وهي في ص ( متوسّم ) . وعلى الأول يكون المعنى أنه شخص تهمه الرسوم والأشكال ، أما باطنه وحقيقته فغير رسمه ، وعلى الثاني يكون المعنى أنه يكتفى من التصوف بالسّمة أي العلامة ؛ كالثوب مثلا . . وباطنه غير سليم . والربط بين الصفاء والتصوف - كما يتضح من العبارة - عنصر أساسي في مذهب القشيري . ( انظر الرسالة باب التصوف ) .
( 2 ) نحسب أنه ليس بعد هذا مجال للتخرص بأن الصوفية يجانبون الشريعة أو يقلّلون من قدرها .
فمحصول خواطرهم ، ومكاشفاتهم من خلال أحوالهم . . . كل ذلك ينبغي ألا يكون مرفوضا من الشرع . ومحاولة عقد لقاء بين الحقيقة والشريعة عنصر أساسي آخر في مذهب القشيري - رحمه اللّه .
( 3 ) عطف يعطف هنا بمعنى مال وانحنى تجاه ناحية تاركا ناحية أخرى - وهذا هو أصل معنى اللفظة قبل أن تأخذ معانيها التوسعة .