تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
العهد ، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة ، فأخبر اللّه تعالى رسوله بذلك ، فبعث صلوات اللّه عليه إليهم محمد بن مسلمة ، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ الصّدقة . وكان رئيسهم كعب ابن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة ( غيلة ) ، وغزاهم « 1 » رسول اللّه ( ص ) وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام ، وما كان المسلمون يتوقّعون الظّفر عليهم لكثرتهم ، ولمنعة حصونهم . وظلّوا يهدمون دورهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا ، ويقطعون أشجارهم ليسدوا النقب ، فسمّوا أول الحشر ، لأنهم أول من أخرج من جزيرة العرب وحشر إلى الشام . قال جل ذكره :
« فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ »
. كيف نصر المسلمين - مع قلّتهم - عليهم - مع كثرتهم . وكيف لم تمنعهم حصونهم إذا كانت الدائرة عليهم . وإذا أراد اللّه قهر عدوّ استنوق « 2 » أسده . ومن مواضع العبرة في ذلك ما قاله :
« ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا »
بحيث داخلتكم الرّيبة في ذلك لفرط قوّتهم - فصانهم بذلك عن الإعجاب . ومن مواضع العبرة في ذلك أيضا ما قاله
« وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ »
فلم يكن كما ظنّوه - ومن تقوّ بمخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره « 3 » ومذلّته . ومن الدلائل الناطقة ما ألقى في قلوبهم من الخوف والرّعب ، ثم تخريبهم بيوتهم بأيديهم علامة ضعف أحوالهم ، وبأيدي المؤمنين لقوة أحوالهم ، فتمت لهم الغلبة عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم . هذا كلّه لا بدّ أن يحصل به الاعتبار - والاعتبار أحد قوانين الشّرع . ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره .
هامش
( 1 ) حاصرهم إحدى وعشرين ليلة وأمر بقطع نخيلهم وأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير واحد ما شاءوا من متاعهم فجلوا إلى أريحا وأذرعات بأرض الشام . ( 2 ) الألف والسين والتاء فيها للصيرورة أي صار ناقة والمقصود : تخاذل المتجبر وصغر شأنه . ( 3 ) الصّغار - الرضى بالمذلة والهوان .