تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ على الوجه الذي سبق به العلم ، وحقّ فيه الحكم ؛ فقبل أن نخلق ذلك أثبتناه في اللوح المحفوظ . فكلّ ما حصل في الأرض من خصب أو جدب ، من سعة أو ضيق ، من فتنة أو استقامة وما حصل في النفوس من حزن أو سرور ، من حياة أو موت كلّ ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل وقوعه بزمان طويل . وفي قوله :
« مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها »
دليل على أن أكساب العباد مخلوقة للّه سبحانه . وللعبد في العلم بأنّ ما يصيبه : من بسط وراحة وغير ذلك من واردات القلوب من اللّه - أشدّ السرور وأتمّ الأنس ؛ حيث علم أنه أفرد بذلك بظهر غيب منه ، بل وهو في كنز العدم ، ولهذا قالوا :
سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن * ما كان قلبي للصبابة معهدا « 1 »
قوله جل ذكره :

[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 23 ]

لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) عدم الفرحة بما آتاهم هو من صفات المتحررين من رقّ النّفس ، فقيمة الرجال تتبين بتغيّرهم - فمن لم يتغير بما يرد عليه - مما لا يريده - من جفاء أو مكروه أو محنة فهو كامل ، ومن لم يتغيّر بالمسارّ كما لا يتغير بالمضارّ ، ولا يسرّه الوجود كما لا يحزنه العدم - فهو سيّد وقته « 2 » . ويقال : إذا أردت أن تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد ؛ فالتغيّر علامة بقاء النّفس بأيّ وجه كان :
« وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ »
.
هامش
( 1 ) وهكذا نرى أن الجبرية عند الصوفية ترتبط بالمحبة القديمة ، فاللّه البارئ الخالق للعبد من العدم . . لن يريد به إلا الخير . . . وحتى لو أصاب العبد تلف . . . فمرحبا به فهو تلف في سبيل المحبوب . ( 2 ) التغير من علامات التلوين ، والثبات في المسار والمضار - عند تقلب الأحوال على العارف - من علامات التمكين . فسادات الوقت هم أهل التمكين .