وهذا قبل أن نزل قوله تعالى :
« لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ »
« 1 » .
وفي الآية دليل على فساد قول أهل القدر والبدع حيث قالوا : « إيلام البرىء قبيح في العقل » . لأنه لو لم يجز ذلك لكان يقول : أعلم - قطعا - أنى رسول اللّه ، وأنى معصوم . .
فلا محالة يغفر لي ، ولكنه قال : وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم ؛ ليعلم أن الأمر أمره ، والحكم حكمه ، وله أن يفعل بعباده ما يريد « 2 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 )
« 3 » تبيّن له أنه لا عذر لهم بحال ، ولا أمان لهم من عقوبة اللّه . وما يستروحون إليه من حججهم عند أنفسهم كلّها - في التحقيق - باطل . وأخبر أن الكفار قالوا : لو كان هذا الذي يقوله
هامش
( 1 ) آية ( 2 ) سورة الفتح وبنزولها نسخت هذه الآية ، وزال فرح المشركين واليهود والمنافقين الذين كانوا يقولون : كيف نتبع نبيا لا يدرى ما يفعل به ولا بنا وأنه لا فضل له علينا ، ولولا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به - وبنزول هذه الآية أرغم اللّه أنوفهم ، وقالت الصحابة : هنيئا لك يا رسول اللّه ! وهنيئا لنا !
( 2 ) القشيري ينكر أن يذهب البشر إلى التماس تعليلات للأفعال الإلهية ؛ لأن أفعال اللّه سبحانه لا تخضع للأغراض ، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، فهو يعود بالأمر كله إلى الحكمة والإرادة الإلهيتين ، وطالما هما في غير نطاق الإنسانية فلا ينبغي إخضاعهما للمفاهيم الإنسانية من حسن وقبح ، وخير وشر ؛ لأن هذه المفاهيم متأثرة بالمصلحة والغرض . . واللّه منزه عن ذلك ، فله أن يفعل بعباده ما يشاء ، وإذا كان رب الأسرة لا يقودها إلا إلى الخير فما ظنك برب البرية وخالق كل شئ ؟ !
( 3 ) هو عبد اللّه بن سلام عند الجمهور ، ولهذا قيل إن هذه الآية مدنية ؛ لأن إسلامه كان بالمدينة . وروى أنه سأل النبي عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي : ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه . ؟ فقال الرسول ( ص ) : أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب ، وأول طعام أهل الجنة زيادة كبد حوت ، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته . فقال : أشهد أنك رسول اللّه حقا . ( صحيح البخاري ح 2 ص 226 ) .