ففرّ ورمى بالخاتم في البحر ، وطار في الهواء . ولمّا أذن اللّه ردّ ملك سليمان إليه ، ابتلعت سمكة خاتمه ، ووقعت في حبال الصيادين ، ودفعوها إلى سليمان في أجرته ، فلمّا شقّ بطنها ورأى خاتمه لبسه ، وسجد له الملاحون ، وعاد إلى سرير ملكه « 1 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة ص ( 38 ) : آية 35 ]
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 )
أي ملكا لا يسلبه أحد منى بعد هذا كما سلب منى في هذه المرة .
وقيل أراد انفراده به ليكون معجزة له على قومه .
وقيل أراد أنه لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك ، بل يجب أن يكل أمره إلى اللّه في اختياره له .
ويقال لم يقصد الأنبياء ، ولكن قال لا ينبغي من بعدي لأحد من الملوك .
وإنما سأل الملك لسياسة الناس ، وإنصاف بعضهم من بعض ، والقيام بحقّ اللّه ، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا . . وهو كقول يوسف :
« اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ »
« 2 » .
ويقال لم يطلب الملك الظاهر ، وإنما أراد به أن يملك نفسه ، فإن الملك - على الحقيقة - من يملك نفسه ، ومن ملك نفسه لم يتّبع هواه .
ويقال أراد به كل حاله في شهود ربّه حتى لا يرى معه غيره .
ويقال سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار .
ويقال علم أن سرّ نبيّنا - صلى اللّه عليه وسلم - ألا يلاحظ الدنيا ولا ملكها
هامش
( 1 ) تلاحظ أن القشيري - وإن تجنب الوقوع في كثير من الروايات السخيفة مثل اجتماع سليمان بالنساء في حيضهن ، ومثل قضائه في الناس بغير الحق ونحو ذلك - إلا أنه لم يستطع التخلص من الروايات المتأثرة بالإسرائيليات لأننا لا نستطيع أن نتصور وقوع نبي كسليمان أو كداود في مثل هذه المزالق التي لا ينحدر إليها نبي .
( 2 ) آية 55 سورة يوسف .