تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
قوله جل ذكره :

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 21 إلى 22 ]

وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ( 21 ) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ( 22 ) . . الآيات أرسل اللّه إلى داود عليه السلام ملكين من السماء على صورة رجلين فتحا كما إليه تنبيها له على ما كان منه من تزوّجه بامرأة أوريا ، وكان ترك ذلك أولى - هذا على طريق من رأى تنزيه الأنبياء عليهم السلام من جميع الذنوب . وأمّا من جوّز عليهم الصغائر فقال : هذا من جملته . وكنّى الخصمان باسم النعجة عن النساء . وكان داود عليه السلام قال للّه سبحانه وتعالى : إنّى لأجد في التوراة أنّك أعطيت الأنبياء الرّتب فأعطنيها ، فقال : إنهم صبروا فيما ابتليتهم به ، فوعد داود من نفسه الصبر إذا ابتلاه طمعا في نيل الدرجات ، فأخبر اللّه تعالى أنه يبتليه يوم كذا ، فجعل داود ذلك اليوم يوم عبادة ، واختلى في بيته ، وأمر حرّاسه ألا يؤذيه أحد بالدخول عليه ، وأغلق على نفسه الباب ، وأخذ يصلّى زمانا ، ويقرأ التوراة زمانا يتعبّد . أغلق على نفسه الباب ولكن لم يمكنه غلق باب السماء . وأمر حرسه أن يدفعوا عنه الناس وكانوا ثلاثين ألف رجل - ويقال أربعة آلاف - ولكن لم يمكنهم أن يدفعوا عنه حكم القضاء ، ولقد قال الحكماء : الهارب مما هو كائن في كفّ الطالب يتقلب . وكانت في البيت كوّة يدخل منها الضوء ، فدخل طير صغير من الذهب ، ووقع قريبا منه ، وكان لداود ابن صغير فهمّ أن يأخذه ليدفعه إلى ابنه « 1 » ، فتباعد عنه . وجاء في التفاسير : أنه كان إبليس ، قد تصوّر له في صورة طير ، فتبعه داود ، ولم يزل الطائر يتباعد قليلا قليلا ، وداود يتبعه حتى خرج من الكوة ، ونظر داود في إثره فوقع بصره على امرأة أوريا وهي تغتسل متجردة ، فعاد إلى قلبه منها شئ ، فكان هذا السبب . ويقال لم يرع الاهتمام بسبب ولده حتى فعل به ما فعل ، وفي ذلك لأولى الأبصار عبرة « 2 » .
هامش
( 1 ) نقل القرطبي هذه الرواية منسوبة إلى القشيري ج 15 ص 182 . ( 2 ) يحاول القشيري في تلمسه لسبب محنة داود أن يوضح المريدين أنه حتى الأكابر قد تحل بهم البلوى نتيجة المساكنة إلى غيره ، فيغار الحق عليهم وينزل بهم من الأمر ما يردهم إلى الحق . . . وذلك فضل اللّه سبحانه .