تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
قوله جل ذكره :

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 44 ]

وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ( 44 ) الإشارة من هذا إلى أهل الغفلة ؛ يعارضون أصحاب القلوب فيما يجرى من الأمور ، بما تشوّش إليهم نفوسهم ، ويخطر ببالهم من هواجسهم عن مقتضى تفرقة قلوبهم - على قياس ما يقع لهم - من غير استناد إلى إلهام ، أو اعتماد على تقدير من اللّه وإفهام . وأهل الحقائق - الذين هم لسان الوقت - إذا قالوا شيئا أو أطلقوا حديثا ، فلو طولبوا بإقامة البرهان عليه لم يمكنهم ؛ لأن الذي يتكلم عن الفراسة أو عن الإلهام ، أو كان مستنطقا فليس يمكن لهؤلاء إقامة الحجة على أقوالهم « 1 » . وأصحاب الغفلة ليس لهم إيمان بذلك ، فإذا سمعوا شيئا منه عارضوهم فيهلكون ، فسبيل هؤلاء الأكابر عند ذلك أن يسكتوا ، ثم الأيام « 2 » تجيب أولئك . قوله جل ذكره :

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 46 ]

قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) يقول : إذا سوّلت لكم أنفسكم تكذيب الرسول فأنعموا النظر . . هل ترون فيه آثار ما رميتوه به ؟ هذا محمد صلى اللّه عليه وسلم . . قلتم إنه ساحر - فأين آثار السحر
هامش
( 1 ) انظر ص 348 من المجلد الثاني من هذا الكتاب . وقد يظن أن هذا محل طعن فيما يصدر عن المعارف من أقوال وأحوال ، والواقع أن مرد عجز العارف عن إقامة الحجة إلى أن ما ينثال عليه من كشوفات ليس من تدبيره أو احتياله ، ولا نتيجة مهارته أو ذكائه . . . وإلا كان مطلوبا منه أن يسوق حجة أو يقدم برهانا . . إنما هي أنوار إلهية تنبجس في عالمه الباطن . . وليست تجربة الإمام الغزالي إلا نموذجا للعارف الذي نهل من العلوم العقلية قدرا عظيما ، ولكن ذلك لم يهدىء سورة غليله ، ولم يقده إلى الراحة والسكينة . . حتى قيض اللّه له في علوم القوم ما شفاه وكفاه ( انظر الصفحات الأولى من : « المنقذ من الضلال » للإمام الغزالي ) . ( 2 ) هكذا في م وهي في ص ( الأنام ) ونحن نرجح ( الأيام ) على معنى أن الدهر كفيل بتوضيح الحقيقة - وإن خفيت زمنا .