لأن أمرهما كان معجزة ودلالة ، ويصح أن يراد أنّ كلّ واحد منهما آية - على طريقة العرب في أمثال هذا .
وفيه نفى لتهمة من قال إنها حبلت من اللّه . . . تعالى اللّه عن قولهم ! قوله ( آية للعالمين ) : وإن لم يهتد بهما جميع الناس . . لكنهما كانا آية . ومن نظر في أمرهما ، ووضع النظر موضعه لاهتدى ، وإذا أعرض ولم ينظر فالآية لا تخرج عن كونها حجّة ودلالة بتقصير المقصّر في بابها .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 92 ]
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( 92 )
أي كلكم خلقته ، وكلكم اتفقتم في الفقر ، وفي الضعف ، وفي الحاجة .
« وَأَنَا رَبُّكُمْ »
:
وخالقكم على وصف التّفرّد .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 93 ]
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ ( 93 )
اختلفوا وتنازعوا ، واضطربت أمورهم ، وتفرّقت أحوالهم ، فاستأصلتهم البلايا .
قوله : ( كلّ إلينا راجعون ) : وكيف لا . . . وهم ما يتقلبون إلّا في قبضة التقدير ؟
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 94 ]
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ ( 94 )
من تعنّى للّه لم يخسر على اللّه ، ومن تحمّل للّه مشقة وجب حقّه ( على ) « 1 » اللّه : قوله : وهو مؤمن ) بعد قوله : ( يعمل من الصالحات ) دليل على أن من لا يكون مؤمنا لا يكون عمله صالحا ففائدة قوله هاهنا : ( وهو مؤمن ) في المآل والعاقبة ، فقد يعمل الأعمال الصالحة من لا يختم له بالسعادة ، فيكون في الحال مؤمنا وعمله يكون على الوجه الذي آمن ثم لا ثواب له ، فإذا كانت عاقبته على الإسلام والتوحيد فحينئذ لا يضيع سعيه .
هامش
( 1 ) نرجح أنها في الأصل ( من ) لأن القشيري في مواضع شتى عارض أي وجوب ( على ) اللّه . .
وطا لما أوضحنا ذلك في الهوامش .