التفسير ، ويحتمل « 1 » أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه من حاله .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 88 ]
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 88 )
استجبنا له ولم يجر منه دعاء ؛ لأنه لم يصدر عنه أكثر من قوله :
« لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
، ولم يقر بالظلم إلا وهو يستغفر منه .
ثم قال :
« وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ . . . »
يعنى : كلّ من قال من المؤمنين - إذا أصابه غمّ ، أو استقبله مهم - مثلما قال ذو النون نجيناه كما نجينا ذا النون .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 89 ]
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 )
سأل الولد ، وإنما سأله ليكون له معينا على عبادة ربّه ، وليقوم في النبوة مقامه ، ولئلا تنقطع بركة الرسالة من بيته « 2 » ، ولقد قاسى زكريا من البلاء ما قاسى حتى حاولوا قطعه بالمنشار ، ولما التجأ إلى شجرة انشقت له وتوسّطها ، والتأمت الشجرة ، وفطنوا إلى ذلك فقطعوا الشجرة بالمنشار ، وصبر للّه ، وسبحان اللّه ! كان انشقاق الشجرة له معجزة ، وفي الظاهر كان حفظا له منهم ، ثم لو لم يطلعهم عليه لكان في ذلك سلامته ، ولعلّهم - وقتلوه - لم يصبه من الألم القدر الذي لحقه من القطع بالمنشار طول إقامته ، وإنما المعنى فيه أن انشقاق الشجرة كان له معجزة ، فقوى بذلك يقينه لمّا رأى عجيب الأمر فيه من نقض العادة « 3 » ، ثم البلاء له بالقتل ليس ببلاء في التحقيق ، ولقد قال قائلهم : « إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى » .
هامش
( 1 ) هذا النوع من الظلمات - وهو المرتبط بالنفس - متوقع صدوره عن مفسر صوفي علم بأحوال النفس .
( 2 ) أي أنه لم يسال الولد لحظ نفسه بل لحق ربه ، وهذه بشرى إجابة الدعاء .
( 3 ) أي أن المعجزة ليست فقط من أجل القوم الذين فيهم النبي بل في حسابها تثبيت قلب النبي وترسيخ يقينه .