في الحسن ، فهمّ أن يأخذه ، فتباعد ولم يطر كالمطمع له في أخذه ، فلم يزل يستأخر قليلا قليلا حتى طار من كوّة البيت ، فتبعه داود ينظر إليه من الكوة من ورائه ، فوقع بصره على امرأة أوريا ، وكانت قد تجرّدت من ثيابها تغتسل في بستان خلف البيت الذي به داود ، فحصل في قلبه ما حصل ، وأصاب سهم التقدير حدقته ، ولم تنفعه صنعة اللّبوس التي كان تعلّمها لتحّصنه من بأسه .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 81 ]
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ( 81 )
سخّر اللّه له الريح غدوّها شهر ورواحها شهر ، ولو أراد أن يزيد في قدر مسافتها شبرا لما استطاع ، تعريفا بأنه موقوف على حكم التقدير ، فشهود التقدير كان يمنعه عن الإعجاب بما أكرم به من التسخير ، ولقد نبّه - سبحانه - من حيث الإشارة أن الذي ملكه سليمان كالريح إذا مرّ وفات ، أو أنه لا يبقى باليد منه شئ « 1 » .
وفي القصة أنه لاحظ ذلك يوما فمالت الريح ببساطه قليلا ، فقال سليمان للريح : استو .
فقالت له الريح : استو أنت . أي إنما ميلى ببساطك لميلك بقلبك بملاحظتك ؛ فإذا استويت أنت استويت أنا « 2 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 82 ]
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 )
إنما كان ذلك أياما قلائل في الحقيقة . ثم إنه أراد يوما أن يعود إلى مكانه فجاءه ملك الموت فطالبه بروحه ، فقال : إلىّ حين أرجع إلى مكاني .
فقال له : ولا وجه للتأخير ، وقبضه وهو قائم يتكئ على عصاه وبقي بحالته ، ولم تعلم الجنّ ،
هامش
( 1 ) فهو كما قيل : باطل وقبض الريح .
( 2 ) في ذلك إشارة إلى أصحاب الأحوال بأنه إذا تغيرت أو تعذرت الأمور فالسبب كامن في نفوسهم .