ويقال لم يكن هذا القول من أيوب ولكنه استغاثة البلاء منه ، فلم يطق البلاء صحبته فضجّ منه البلاء لا أيوب ضجّ من البلاء . . وفي معناه أنشدوا .
صابر الصبر فاستغاث به الصبر * فصاح المحبّ بالصبر صبرا
ويقال همزة الاستفهام فيه مضمرة ، ومعناه : أيمسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين ؟ كما قال
« وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ »
« 1 » أي أتلك نعمة تمنها علىّ أن عبدت بني إسرائيل ؟
ويقال إن جبريل - عليه السلام - أتى أيوب فقال : لم تسكت ؟ فقال : ماذا أصنع ؟
فقال : إنّ اللّه سببان عنده بلاؤك وشفاؤك . . . فاسأل اللّه العافية فقال أيوب : إني مسني الضّر ، فقال تعالى :
« فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ »
والفاء تقتضى التعقيب ، فكأنه قال :
فعافيناه في الوقت . وكأنه قال : يا أيوب ، لو طلبت العافية قبل هذا لاستجبنا لك .
ويقال سقطت دودة كانت تأكل من بدنه على الأرض فرفعها أيوب ووضعها على موضعها ، فعقرته عقرة عيل صبره فقال : مسني الضر ، فقيل له : يا أيوب : أتصبر معنا ؟
لولا أنى ضربت تحت كل شعرة من شعراتك كذاخيمة من الصبر . . ما صبرت ساعة ! ويقال كانت الدودات التي تأكل منه أكلت ما علا بدنه ، فلم يبق منه إلا لسانه وقلبه ، فصعدت دودة إلى لسانه ، وأخرى إلى قلبه فقال :
« مَسَّنِيَ الضُّرُّ »
. . . فلم يبق لي إلا لسان به أذكرك ، أو قلب به أعرفك ، وإذ لم يبق لي ذلك فلا يمكنني أن أعيش وأصبر ! ويقال استعجمت عليه جهة البلاء فلم يعلم أنه يصيبه بذلك تطهيرا أو تأديبا أو تعذيبا أو تقريبا أو تخصيصا أو تمحيصا . . . وكذلك كانت صحبته « 2 » .
ويقال قيل لأيوب عليه السلام سل العافية فقال :
عشت في النّعم سبعين سنة فحتى يأتي علىّ سبعون سنة في البلاء . . وعندئذ أسأل اللّه العافية !
هامش
( 1 ) آية 22 سورة الشعراء .
( 2 ) أي وهكذا كانت صحبة الحق لوليه دائما .