إلى أن أكلت دابة الأرض - كما في القصة - عصاه ، فلما خرّ سليمان علمت الشياطين بموته ، وتحققوا أنّ الذي بالعصا قيامه فقهر الموت يلحقه .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 83 إلى 84 ]
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 )
أي واذكر أيوب « 1 » حين نادى ربّه . وسمّى أيوب لكثرة إيابه إلى اللّه في جميع أحواله في السرّاء والضرّاء ، والشّدّة والرّخاء .
ولم يقل : ارحمني ، بل حفظ أدب الخطاب فقال :
« وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
.
ومن علامات الولاية أن يكون العبد محفوظا عليه وقته في أوان البلاء .
ويقال إخباره عنه أنه قال :
« مَسَّنِيَ الضُّرُّ »
لم يسلبه اسم الصبر حيث أخبر عنه سبحانه بقوله :
« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً »
لأنّ الغالب كان من أحواله الصبر ، فنادر قالته لم يسلب عنه الغالب من حالته . والإشارة من هذا إلى أنّ الغالب من حال المؤمن المعرفة ، أو الإيمان باللّه فهو الذي يستغرق جميع أوقاته ، ولا يخلو منه لحظة ؛ ونادر زلّاته - مع دائم إيمانه - لا يزاحم الوصف الغالب .
ويقال ؛ لمّا لم يكن قوله : مسني الضرّ على وجه الاعتراض على التقدير - بل كان على وجه إظهار العجز - فلم يكن ذلك منافى الصفة الصبر .
ويقال استخرج منه هذا القول ليكون فيه متنفّس للضعفاء في هذه الأمة حتى إذا ضجّوا في حال البلاء لم يكن ذلك منافى الصفة الصبر .
ويقال لم يكن هذا القول منه على جهة الشكوى ، وإنما كان من حيث الشكر
« أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ »
الذي تخصّ به أولياءك ، ولولا أنك أرحم الراحمين لما خصصتني بهذا ، ولكن برحمتك أهّلتنى لهذا .
هامش
( 1 ) في تقدير با أن ما كتبه القشيري في هذا الموضع عن أيوب عليه السلام من أجمل ما كتب في هذا الموضوع سواء من الناحية الأدبية أو من الناحية الإشارىة .