لم يغادر الخليل شيئا من الشفقة على أبيه ، ولم ينفعه جميل وعظه ، ولم تنجع فيه كثرة نصحه ؛ فإنّ من أقصته سوابق التقدير لم تخلّصه لواحق التدبير .
قوله جل ذكره :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 46 ]
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 )
مناه إبراهيم بجميل العقبي ، فقابله بتوعّد العقوبة فقال :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
.
فأجابه الخليل بمقتضى سكون البصيرة فقال :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 47 ]
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 )
وهذا قبل أن ييأس من إيمانه ، إذ كانت لديه بعد بقية من الرجاء في شانه ، فلمّا تحقق أنه مختوم له بالشقاوة قال له :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 48 ]
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 )
« ما تَدْعُونَ »
: أي ما تعبدون ،
« وَأَدْعُوا رَبِّي »
: أي أعبده .
قوله جل ذكره :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 49 ]
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 )
لما أيس من أصله آنسه اللّه بما أكرمه من نسله ، فأنبتهم نباتا حسنا ، ورزقهم النبوة ، ولسان الصدق بالذكر لهم على الدوام « 1 » فقال :
هامش
( 1 ) ربما يشير القشيري بذلك إلى : ( الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) في تشيد كل صلاة ،