أي فلمّا خرج عليهم عرّفهم - من طريق الإشارة « 1 » - أنّ اللسان الذي كان يخاطبهم به ليس الآن منطلقا .
قوله جل ذكره :
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 12 إلى 13 ]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 )
أي قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة منّا ، خصصناك بها . . لا قوة يد ولكن قوة قلب ، وذلك خير خصّه اللّه تعالى به وهو النبوة .
ودلّت الآية على أنه كان من اللّه له كتاب .
« وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا »
أي النبوة ، بعثه اللّه بها إلى قومه ، وأوحى إليه وهو صبّى .
ويقال الحكم بالصواب والحقّ بين الناس .
ويقال الحكم هو إحكام الفعل على وجه الأمر .
قوله
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا
أي آتيناه رحمة من عندنا ، وطهارة وتوفيقا لمجلوبات التقوى وتحقيقا لموهوباتها ؛ فإن التقوى على قسمين : مجموع ومجلوب يتوصّل إليه العبد بتكلّفه وتعلّمه ، وموضوع من اللّه تعالى ومرهوب منه يصل إليه العبد ببذله سبحانه وبفضله .
قوله جل ذكره :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 14 ]
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 )
« بَرًّا بِوالِدَيْهِ »
كأمر اللّه - سبحانه - له بذلك لا لمودّة البشر وموجب عادة الإنسانية .
ولم يكن متمردا عن الحق ، جاحدا لربوبيته .
قوله جل ذكره :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 15 ]
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 )
أي له منّا أمان يوم القيامة ، ويوم ولادته في البداية ، ويوم وفاته في النهاية ، وهو أن يصونه عن الزّيغ والعوج في العقيدة بما يشهده على الدوام من حقيقة الإلهية .
هامش
( 1 ) كأنما يقصد القشيري إلى بيان أنّ الإشارة تغنى عن العبارة وأنها بأمر إلهي .