ويقال مكثوا في الكهف مدة فأضافهم إلى مستقرّهم فقال :
« أَصْحابَ الْكَهْفِ »
، وللنفوس محال ، وللقلوب مقارّ ، وللهم مجال ، وحيثما يعتكف يطلب أبدا صاحبه « 1 » .
ويقال الإشارة فيه ألا تتعجّب من قصتهم ؛ فحالك أعجب في ذهابك إلينا في شطر من الليل حتى قاب قوسين أو أدنى « 2 » ، وهم قد بقوا في الكهف سنين .
قوله جل ذكره :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 10 ]
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 )
آواهم إلى الكهف بظاهرهم ، وفي الباطن فهو مقيلهم في ظلّ إقباله وعنايته ، ثم أخذهم عنهم ، وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال وهم غائبون عن شواهدهم « 3 » .
وأخبر عن ابتداء أمرهم بقوله .
« رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً »
:
أي أنهم أخذوا في التبرّى من حولهم وقوّتهم ، ورجعوا إلى اللّه بصدق فاقتهم ، فاستجاب لهم دعوتهم ، ودفع عنهم ضرورتهم « 4 » ، وبوّأهم في كنف الإيواء مقيلا حسنا .
قوله جل ذكره :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 11 ]
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 )
أخذناهم عن إحساسهم بأنفسهم ، واختطفناهم عن شواهدهم بما استغرقناهم فيه من حقائق ما كاشفناهم به من شهود الأحدية ، وأطلعناهم عليه من دوام نعت الصمدية .
هامش
( 1 ) معنى العبارة يطلب صاحب المكان من حيث المكان الذي يعتكف فيه .
( 2 ) يشير القشيري بذلك إلى المنزلة الرفيعة التي وصل إليها المصطفى - صلوات اللّه عليه - ليلة الإسراء والمعراج ، وكيف أنه انتهى في ليلة واحدة إلى ما لم يصل إليه أصحاب الكهف في سنين .
( 3 ) واضح أن القشيري يعالج قصة أهل الكهف في ضوء حال الفناء وحال البقاء . . وهذا من النماذج التي يقدمها التصوف لتفسير الظواهر العجيبة التي تقلب فيها العادة ، وبحار فيها العقل .
( 4 ) يقصد من الضرورة هنا ما يلزم الإنسان من طعام وشراب وتخلص من بقاياهما . . ونحو ذلك .