عارفا ، وكل جزء من العلم تحصل له آية ودليل ، فللعالم حتى يكون عارفا بربّه آيات ودلائل ، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة ؛ فبدليل واحد يعلم وجه النظر ، وبأدلة كثيرة يصير عارفا بربه .
قوله جل ذكره :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 12 ]
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 12 )
الليل والنهار ظرفا الفعل ، والناس في الأفعال مختلفون : فموفّق ومخذول ؛ فالموفّق يجرى وقته في طاعة ربه ، والمخذول يجرى وقته في متابعة هواه .
العابد يكون في فرض يقيمه أو نفل يديمه ، والعارف في ذكره وتحصيل أوراده بما يعود على قلبه فيؤنسه ، وأما أرباب التوحيد فهم مختطفون عن الأحيان والأوقات بغلبة ما يرد عليهم من الأحوال كما قيل :
لست أدرى أطال ليلى أم لا * كيف يدرى بذاك من يتقلّى ؟
لو تفرّغت لاستطالة ليلى * ورعيت النجوم كنت مخلّا
قوله جل ذكره :
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
.
هذا في الظاهر ، وفي الباطن نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد .
قوله جل ذكره :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 13 ]
وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 )
أقوام خلق لهم في الأرض الرياض والغياض « 1 » ، والدور والقصور ، والمساكن والمواطن ، وفنون النّعم وصنوف القسم . . وآخرون لا يقع لهم طير على وكر ، ولا لهم في الأرض شبر ؛ لا ديار تملكهم ، ولا علاقة تمسكهم - أولئك سادات الناس وضياء الحق .
هامش
( 1 ) الغياض جمع غيضة وهي الموضع يكثر فيه الشجر ويلتف .