لا يعلم تفصيله « 1 » سواه . . وكيف يعلم من أخبر الحقّ - سبحانه - أنه لا يعلم ؟
قوله جل ذكره :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 9 ]
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 )
قوم هداهم السبيل ، وعرّفهم الدليل ، فصرف عن قلوبهم خواطر الشكّ ، وعصمهم عن الجحد والشّرك ، وأطلع في قلوبهم شمس العرفان ، وأفردهم بنور البيان . وآخرون أضلّهم وأغواهم ، وعن شهود الحجج أعماهم ، وفي سابق حكمه من غير سبب أذلّهم وقمعهم « 2 » ، ولو شاء لعرّفهم وهداهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 )
أنزل المطر وجعل به سقيا النبات ، وأجرى العادة بأن يديم به الحياة ، وينبت به الأشجار ، ويخرج الثمار ، ويجرى الأنهار .
ثم قال :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
ثم قال بعده بآيات :
« لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
، ثم قال بعده :
« لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ »
. وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة « 3 » ، فأولا التفكر ثم العلم ثم التذكر ، أولا يضع النظر موضعه فإذا لم يكن في نظره خلل وجب له العلم لا محالة ، ولا فرق بين العلم والعقل في الحقيقة ، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر .
ويقال إنما قال :
« لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
: على الجمع لأنه يحصل له كثير من العلوم حتى يصير
هامش
( 1 ) وردت ( تفضله ) وهي خطأ من الناسخ .
( 2 ) ( قمعهم ) - قهرهم وذلهم . على أننا لا نستبعد - حسبما نعرف من كلف القشيري بالخوض على الموسيقى اللفظية - أنها ربما كانت ( أقماهم ) أي صغرهم وأذلهم ( انظر آية 4 سورة القصص المجلد الثالث ) .
( 3 ) هذه نقطة هامة إذا أردنا أن ندرس مذهب المعرفة عند الصوفية عموما ، والقشيري بخاصة