شفقة منه عليهم ، وهذه صفة الأولياء : أن يكونوا خصم أنفسهم ، ولهذا قيل : الصوفي دمه هدر وملكه مباح « 1 » - ولذلك قال :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 53 ]
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 )
لمّا تمدّح بقوله :
« ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ »
كأنه نودي في سرّه : ولا حين هممت ؟
فقال :
« وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ! »
« 2 » ويقال : قوله
« لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ »
بيان الشكر على ما عصمه اللّه ، وقوله :
« وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي »
بيان العذر لما قصّر في أمر اللّه ، فاستوجب شكره زيادة الإحسان ، واستحقّ بعذره العفو .
والعفو باد من قوله :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 54 ]
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 )
لما اتضحت للملك طهارة فعله ونزاهة حاله استحضره لاستصفائه لنفسه ، فلمّا كلمه وسمع بيانه رفع محلّه ومكانه ، وضمنه برّه وإحسانه ، فقال :
« إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ »
قوله جل ذكره :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 55 ]
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 )
إنما سأل ذلك ليضع الحقّ موضعه ، وليصل نصيب الفقراء إليهم ، فطلب حقّ اللّه تعالى في ذلك ، ولم يطلب نصيبا لنفسه .
ويقال لم يقل إني حسن جميل بل قال : إني حفيظ عليم أي كاتب حاسب ، ليعلم أنّ الفضل في المعاني لا في الصورة .
هامش
( 1 ) هذا تعريف الصوفي عند سهل بن عبد اللّه التستري ( الرسالة ص 139 ) .
( 2 ) هذا نموذج لمقاومة دعوى النفس ومحاربة اغترارها على الدوام ، وعدم الاطمئنان إلى مصالحتها .