المحبّ غيور ؛ فلمّا كان يعقوب عليه السلام قد تسلّى عن يوسف برؤية ابنه بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب « 1 » .
ويقال تلطّف يوسف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب ، وأما الترغيب ففي ماله الذي أوصله إليهم وهو يقول :
« أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ »
وفي إقباله عليهم وفي إكرامه لهم وهو يقول :
« وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ »
.
وأمّا الترهيب فبمنع المال وهو يقول :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 60 ]
فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 )
أي فإن لم تؤامنونى عليه فلا كيل لكم عندي ، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم .
قوله جل ذكره :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 61 ]
قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 )
لما علم يوسف من حالهم أنهم باعوه بثمن بخس علم أنهم يأتونه بأخيهم طمعا في إيفاء الكيل ، فلن يصعب عليهم الإتيان به .
قوله جل ذكره :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 62 ]
وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 )
جعل بضاعتهم في رحالهم - في باب الكرم - أتمّ من أن لو وهبها لهم جهرا ؛ لأنه يكون حينئذ فيه تقليد منه بالمواجهة ، وفي تمليكها لهم بإشارة تجرّد من تكلّف تقليد منه بالمحاضرة « 2 » .
ويقال علم أنهم لا يستحلّون مال الغير فدسّ بضاعتهم في رحالهم ، لكن إذا رأوها قالوا : هذا وقع في رحالنا منهم بغلط ، فالواجب علينا ردّها عليهم . وكانوا يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أبوا .
هامش
( 1 ) وكذلك فإن للحق غيرة على عبده المؤمن أن يساكن سواه .
( 2 ) وكذلك نعمة الحق تأتى في خفاء . . . وقلّ من يفطن إليها .