كان ابتداء بلاء يوسف - عليه السلام - بسبب رؤيا رآها فنشرها وأظهرها ، وكان سبب نجاته أيضا رؤيا رآها الملك فأظهرها ، ليعلم أنّ اللّه يفعل ما يريد ؛ فكما جعل بلاءه في إظهار رؤيا جعل نجاته في إظهار رؤيا « 1 » ؛ ليعلم الكافة أن الأمر بيد اللّه يفعل ما يشاء .
قوله جل ذكره :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 44 ]
قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ( 44 )
حال الرؤيا لا يختلف بالخطأ في التعبير ، فإنّ القوم حكموا بأن رؤياه أضغاث أحلام فلم يضره ذلك ، ولم يؤثّر في صحة تأويلها .
قوله :
« وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ »
: من طلب الشيء من غير موضعه لم ينل مطلوبه ، ولم يسعد بمقصوده .
قوله جل ذكره :
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 45 ]
وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 )
لمّا كان المعلوم للّه والمحكوم أن يوسف عليه السلام يكون في ذلك الوقت هو من يعبّر الرؤيا - قبض القلوب حتى خفى عليها تعبير تلك الرؤيا ، ولم يحصل للملك ثلج الصّدر إلا بتعبير يوسف « 2 » ، ليعلم أنّ اللّه - سبحانه - إذا أراد أمرا سهل أسبابه .
ويقال : إن اللّه تعالى أفرد يوسف عليه السلام من بين أشكاله بشيئين : بحسن الخلقة وبزيادة العلم ؛ فكان جماله سبب بلائه ، وصار علمه سبب نجاته ، لتعلم مزيّة العلم على غيره ، لهذا قيل : العلم يعطى وإن كان يبطى .
هامش
( 1 ) بهدف القشيري إلى شئ بعيد هو أن المقاييس الإنسانية نسبية ولا تؤدى حتما إلى الصواب ، وبالتالي لا ينبغي تطبيقها على ما يجرى في الكون من تصاريف إلهية .
( 2 ) يصلح هذا التصور - على نحو ما - لتفسير كرامات الأولياء .