ويقال إذا كان كون الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - في الكفار يمنع العذاب عنهم فكون المعرفة في القلوب أولى بدفع العذاب عنها .
ويقال إن العذاب - وإن تأخّر عنهم مدة مقامهم في الدنيا ما دام هو عليه السّلام فيهم - فلا محالة يصيبهم العذاب في الآخرة ، إذ الاعتبار بالعواقب لا بالأوقات والطوارق .
قوله جل ذكره :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
.
علم أنه - عليه السّلام - لا يتأبّد مكثه في أمته إذ قال له :
« وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ »
« 1 » ، فقال إني لا أضيع أمّته وإن قضى فيهم مدّته ، فما دامت ألسنتهم بالاستغفار متطلّعة فصنوف العذاب عنهم مرتفعة .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 34 ]
وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 )
نفى العذاب عنهم في آية ، وأثبته في آية ، فالمنفىّ في الدنيا والمثبت في الآخرة .
ثم بيّن إيصال العذاب إليهم في الآخرة بقوله تعالى :
« وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ »
دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب استحقاق القربة والثواب وفي الآية دليل على أنه لا يعذّب أولياءه بقوله :
« وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ »
فإذا عذّب من لم يكونوا أولياءه دلّ على أنه لا يعذّب من كان من جملة أوليائه . والمؤمنون كلّهم أولياء اللّه لأنه قال :
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا »
« 2 » . والمؤمن - وإن عذّب بمقدار جرمه زمانا فإنه لا يخلّد في دار العقوبة ، فما يقاسون بالإضافة إلى تأبيد الخلاص جلل ، وقيل :
إذا سلم العهد الذي كان بيننا * فودّى وإن شطّ المزار سليم
قوله جل ذكره :
إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
.
هامش
( 1 ) آية 34 سورة الأنبياء .
( 2 ) آية 257 سورة البقرة .