ثم فوضوا أمورهم إلى اللّه فقالوا :
« رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ »
فتداركهم الحقّ - سبحانه - عند ذلك بجميل العصمة وحسن الكفاية « 1 » قوله جل ذكره :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 90 إلى 92 ]
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 90 ) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 91 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ( 92 )
تواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيّهم ، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته ، وكانوا مخطئين في حكمهم ، مبطلين في ظنهم ، فعلم أنّ كل نصيحة لا يجب قبولها ، وكل إشارة « 2 » لا يحسن اتباعها .
قوله تعالى :
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
كانت لهم غلبتهم في وقتهم ، ولكن لما اندرست أيامهم سقط صيتهم ، و ( خمد ) « 3 » ذكرهم ، وانقشع سحاب من توهّم أنّ منهم شيئا .
قوله جل ذكره :
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ
.
الحقّ غالب في كل أمر ، والباطل زاهق بكل وصف ، وإذا كانت العزّة نعت من هو أزلىّ الوجود ، وكان الجلال حقّ من هو الملك فأي أثر للكثرة مع القدرة ؟ وأي خطر للعلل مع الأزل ؟ ولقد أنشدوا في قريب من هذا :
استقبلني وسيفه مسلول * وقال لي واحدنا معذول
قوله جل ذكره :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 93 ]
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ( 93 )
هامش
( 1 ) لاحظ من هذه الفقرة ترتيب السلوك : صحة العزم ثم الشكر ثم التبري عن الحول والقوة ثم التوكل ثم التفويض .
( 2 ) إشارة هنا معناها مشورة أي نصيحة .
( 3 ) وردت ( خمر ) بالراء ، وقد صوبناها ( خمد ) ذكرهم وليس بمستبعد أن تكون ( خمل ) ذكرهم فحمود الذكر وخموله بمعنى متقارب .