أجرى اللّه - سبحانه - سنّته ألا يخص بأفضاله ، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلّا من يسمو إليه طرفه بالإجلال ، وألّا يوضح له قدره بين الأضراب والأشكال ؛ فأنصار كلّ نبي إنما هم ضعفاء وقته ، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار ، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام ، ولا كما يعتقد فيهم الأنام ، بل الجواهر مستورة في معادتها ، وقيمة المحالّ بساكنيها ، قال قائلهم :
وما ضرّ نصل السيف إخلاق غمده * إذا كان عضبا حيث وجهته وترا
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كم من أشعث أغبر لو أقسم على اللّه لأبرّه » « 1 » قوله تعالى :
« وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ »
الحيلة تدعو إلى وفاق الهوى ؛ فتستثقل النّفس قول الناصحين ، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم العائبون ، قال قائلهم :
وكم سقت في آثاركم من نصيحة * وقد يستفيد البغضة المتنصح
قوله جل ذكره :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 80 إلى 84 ]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ( 80 ) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 81 ) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 82 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 83 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 84 )
.
هامش
( 1 ) في رواية الترمذي ( كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللّه لأبره منهم البراء ابن مالك ) . الجامع الصغير ص 237