ثم إن عيسى - عليه السّلام - حفظ أدب الخطاب فلم يزكّ نفسه ، بل بدأ بالثناء على الحق - سبحانه - فقال : تنزيها لك ! إنني أنزهك عما لا يليق بوصفك .
ثم قال :
« ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ »
أي إني إن كنت مخصوصا من قبلك بالرسالة - وشرط النبوة العصمة - فكيف يجوز أن أفعل ما لا يجوز لي ؟ .
ثم إني
« إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ »
. كان واثقا بأن الحقّ - سبحانه - عليم بنزاهته من تلك القالة .
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي »
: أي علمك محيط بكل معلوم .
« وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
أي لا أطلع على غيبك إلا بقدر ما تعرّفني بإعلامك .
« إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
الذي لا يخرج معلوم عن علمك ، ولا مقدور عن حكمك .
قوله جل ذكره :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 117 ]
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 117 )
ما دعوتهم إلا لعبادتك ، وما أمرتهم إلا بتوحيدك وتقديسك ، وما دمت حيا فيهم كنت ( . . . . ) « 1 » على هذه الجملة ، فلما فارقتهم كان تصرفهم في قبضتك على مقتضى مشيئتك ، فأنت أعلم بما كانوا عليه من وصفي وفاقهم وخلافهم ، ونعمتي اقتصادهم « 2 » وإسرافهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 118 ]
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 )
.
هامش
( 1 ) مشتبهة .
( 2 ) الاقتصاد هنا معناها الاعتدال .