يقال في : كل زمان تقع فترة في سبيل اللّه ثم تتجدد الحال ، ويعمّ الطريق بإبداء السالكين من كتم العدم ، ولقد كان زمان الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - أكثر الأزمنة بركة ، فأحيا بظهوره ما اندرس من السبيل ، وأضاء بنوره ما انطمس من الدليل ، وبذلك منّ عليهم ، وذكّرهم عظيم نعمته فيهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 20 ]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 )
كان الأمر لبنى إسرائيل - على لسان نبيّهم - بأن يتذكروا نعمة اللّه عليهم ، وكان الأمر لهذه الأمة « 1 » - بخطاب اللّه لا على لسان مخلوق - بأن يذكروه فقال :
« فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ »
« 2 » وشتان بين من أمره بذكره - سبحانه - وبين من أمره بذكر نعمته ! ثم جعل جزاءهم ثوابه الذي هو فضله ، وجعل جزاء هذه الأمة خطابه الذي هو قوله تعالى :
« فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ »
.
قوله جل ذكره :
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
.
الملك من المخلوقين من عبد الملك الحقيقي .
ويقال الملك من ملك هواه ، والعبد من هو في رقّ شهواته .
ويقال
« جَعَلَكُمْ مُلُوكاً »
: لم يخرجكم إلى أمثالكم ، ولم يحجبكم عن نفسه بأشغالكم ، وسهّل إليه سبيلكم في عموم أحوالكم .
قوله جل ذكره :
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
.
لئن آتى بني إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا بوجوده ، والاستقلال بوجوده أتمّ من الاستغناء بمقتضى جوده .
هامش
( 1 ) يقصد أمة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم .
( 2 ) آية 152 سورة البقرة .