الرخص جعلت للمستضعفين ، فأما الأقوياء فأمرهم الجدّ ، والأخذ بالاحتياط والتضييق ؛ إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق ، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن مراعاة القلوب فالآخذ في الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أولى من الاستقصاء فيما يمنع من مراعاة السر ، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجلّ ، فمن نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص « 1 » .
ثم قال في آخر الآية :
« وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ »
: يعنى على مقاساة ما فيه الشدة ، وفي هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال :
« وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ »
.
قوله جل ذكره :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 26 ]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 )
لما عرّف النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأمّته أخبار من مضى من الأمم ، وما عملوا ، وما عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم ؛ فإن فيهم أيضا من ارتكب ما لا يجوز ، فقالوا : ليت شعرنا بأيّ نوع يعاملنا . . . أبا لخسف أو بالمسخ أو بالعذاب أو بماذا ؟
فقال تعالى :
« وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ »
نعرّفكم ما الذي عملنا بهم .
هامش
( 1 ) القاعدة « أن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه » ولكن القشيري يرى بالنسبة لأرباب الأحوال أن ( الرخصة في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال ، وهؤلاء الطائفة ( الصوفية ) ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه ، ولهذا قيل إذا انحطّ الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ عقده مع اللّه تعالى ، ونقض عهده فيما بينه وبينه سبحانه ) الرسالة ص 199 .