أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السّلام « قل للظّلمة حتى لا يذكروني فإني أوجبت أن أذكر من ذكرني ، وذكرى للظّلمة باللعنة » . وقال لظلمة هذه الأمة :
« أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ »
ثم قال في آخر الآية :
« وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ »
.
ويقال فاحشة كلّ أحد على حسب حاله ومقامه ، وكذلك ظلمهم . وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفعلها من الأغيار ، قال قائلهم :
أنت عيني وليس من حق عيني * غضّ أجفانها على الأقذاء « 1 »
فليس الجرم على البساط كالذّنب على الباب .
ويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم ، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم ، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علما منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به ، فخلصهم من ظلمات نفوسهم . وإن رؤية الأحوال والأفعال لظلمات عند ظهور الحقائق ، ومن طهّره اللّه بنور العناية صانه عن التورط في المغاليط البشرية « 2 » .
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
بردّهم إلى شهود الربوبية ، وما سبق لهم من الحسنى في سابق القسمة .
« وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »
مؤجلا من الفراديس ، ومعجّلا في روح المباحات وتمام الأنس .
قوله جل ذكره :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 137 إلى 138 ]
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 137 ) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 )
هامش
( 1 ) البيت لابن الرومي يعاتب صديقه أبا القاسم التوزى الشطرنجى .
( 2 ) القشيري في هذه الفقرة متأثر بتعاليم أهل الملامة النيسابورية الذين يعلنون حربا لا هوادة فيها على كل دعوى للنفس حتى ليحاولون ستر حياتهم الباطنية بفعل ما يوجب ملامة الناس ، وكل ذلك في سبيل كسر النفس وعدم استشعار العبد لأي فضل منه :