ولا يتقدم كلّه عليه ، فكما لم يعمل فيه الفعل الأول ، كذلك لم يعمل فيه الفعل الثاني ، وإذا لم يجز أن يعمل في آن واحد من هذين الفعلين ، وليس في الكلام غيرهما علمت أنه محمول على شيء آخر مما يدلّ ما في الكلام عليه ، والذي يدلّ عليه هذا الكلام في المعنى هو : يجحد ، أو يكفر أو يستكبر عن قبول الحق ونحو ذلك ، وإنما جاز أن يعمل المعنى فيه وإن كان متقدما عليه ، لشبهه بالظرف ، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها ، ويدلّك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه ، وأن من النحويين من يقول : إنه في موضع جر ، كما أنه لو كانت اللام ظاهرة معه كان كذلك ، فإذا صار كالظرف من حيث قلنا لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه ، كما لم يمتنع في نحو قوله :
يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ سبأ / 7 ] لمّا كان ظرفا ، والعامل فيه بعثتم ، الدالّ عليه قوله :
إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
، فكذلك :
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ
[ القلم / 14 ] ، كأنه : جحد بآياتنا ، لأن كان ذا مال وبنين ، أو : كفر بآياتنا ، لأن كان ذا مال وبنين ، وعلى هذا المعنى يكون محمولا فيمن استفهم فقال : أأن كان ذا مال وبنين لأنه توبيخ وتقرير ، فهو بمنزلة الخبر ، ومثل ذلك قولك :
ألأن أنعمت عليك جحدت نعمتي ، إذا وبّخته بذلك ، فعلى هذا تقدير الآية .
وأمّا قول أحمد فيما رواه أبو عبيد عن حمزة من قوله : أان كان ذا مال بهمزة ممدودة أنه غلط ، فإنما هو تغليط فيما أظن من طريق الرواية ، وليس من طريق العربية ، لأن ذلك لا يمتنع ، ويريد بالهمزة الممدودة همزة بعدها همزة مخفّفة ، وليس هذا من مذهب حمزة لأنه يحقّق الهمزتين ، فلعلّه غلّطه من هذا الوجه .