تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعراب القرآن — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
مرسلين ، صلوات اللّه عليهم أجمعين . وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال : نبيّ حتى يكون مرسلا . والدليل على صحة هذا قوله جلّ وعزّ :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
فأوجب للنبيّ الرسالة . وإنّ معنى نبيّ أنبأ عن اللّه جلّ وعزّ ، ومعنى أنبأ عن اللّه جلّ وعزّ هو الإرسال بعينه . والجهة الأخرى التي فيها الإشكال الحديث المروي . قال أبو جعفر : وقد ذكرناه بإسناده وهو أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ : « أفرأيتم اللات والعزّى فإنّ شفاعتهم ترتجى » « 1 » وسها كذا في رواية الزّهري ، وفي رواية غيره « فإنهن الغرانيق العلى » . قال أبو جعفر : وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين لطعن من طعن فيه من الملحدين . فأول ذلك أنّ الحديث ليس بمتصل الإسناد ، ولو اتّصل إسناده وصحّ لكان المعنى فيه صحيحا . فأما معنى « وسها » فإنّ معناه وأسقط . ويكون تقديره
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
وتمّ الكلام ، ثمّ أسقط والغرانيق العلى ، يعني الملائكة فإن شفاعتهم ، يعود الضمير على الملائكة . فأمّا من روى « فإنّهنّ الغرانيق العلى » ففي روايته أجوبة عنها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة ، ويجوز أن يكون بغير حذف ، ويكون توبيخا ؛ لأن قبله أفرأيتم فيكون هذا احتجاجا عليهم . فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة ، ويجوز أن يكون الضمير للملائكة كما يضمر ما يعرف معناه فينسخ اللّه جلّ وعزّ ذلك لما فيه من الصلاح . والذي فيه من الصلاح إزالة التمويه أن يموّه على قوم فيقال لهم : هذا الضمير للّات والعزّى ، فأنزل اللّه جلّ وعزّ
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
وفي الآية قولان آخران : أحدهما أن يكون المعنى لمّا تلا
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
قال رجل ألقى الشيطان على لسانه : فإنهنّ الغرانيق العلى ، والقول الآخر أنّ علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس في قوله اللّه جلّ وعزّ :
إِلَّا إِذا تَمَنَّى
قال : إذا تحدّث ألقى الرداءة الشيطان في أمنيته ، قال : في حديثه
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
قال : فيبطل اللّه ما يلقي الشيطان . وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجلّه . وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل : بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا . والمعنى عليه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة ، فيقول له : لو سألت اللّه جلّ وعزّ أن يغنّمك كذا ليتّسع المسلمون ، ويعلم اللّه جلّ وعزّ الصّلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان ، كما قال ابن عباس وحكى الكسائي والفراء « 2 » جميعا تمنّى إذا حدّث نفسه . وهذا هو المعروف في اللغة . وقد حكيا أيضا تمنّى إذا تلا ، وروي ذلك عن الضحاك .
هامش
( 1 ) انظر تفسير القرطبي 12 / 80 . ( 2 ) انظر معاني الفراء 2 / 229 .