أنّ
يَبْطِشَ
« 1 » أعرف منها ، وإن كان الضمّ أقيس ، لأنه فعل لا يتعدّى .
إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ
قال عكرمة : لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسين . قال أبو إسحاق :
الجبّار في اللغة المتعظّم الذي لا يخضع لأمر اللّه جلّ وعزّ وإنما تأول عكرمة في قتل النفسين - الآية كما تأول عطاء « فلن أكون ظهيرا للمجرمين » على أنه لا يحلّ لأحد أن يعين ظالما ، ولا يكتب له ، ولا يصحبه ، وإنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين حتى قال لمن استفتاه : ارم قلمك واسترزق اللّه جلّ وعزّ ولا تكن ظهيرا للمجرمين .
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 22 ]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ( 22 )
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ
قال أبو إسحاق : أي سلك الطريق الذي هو تلقاء مدين ، قال : ولم ينصرف مدين لأنه اسم للبقعة .
قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
قال أبو إسحاق : وسواء السبيل قصد السبيل .
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 23 ]
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 )
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
فقد ذكرنا قول ابن عباس : إن معنى تذودان تحبسان ، وذلك معروف في اللغة يقال : ذاده يذوده إذا حبسه ، وإذا قاده ، لأن معنى قاده حبسه على ما يريد ، وإنما كانتا تحبسان غنمهما لأنهما لا طاقة لهما بالسّقي وكانت غنمهما تطرد عن الماء .
قالَ ما خَطْبُكُما
مبتدأ وخبره قال أبو إسحاق : والمعنى ما تريدان بذود غنمكما عن الماء .
قالَتا لا نَسْقِي
أي لا نقدر على السّقي
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
قراءة أهل الكوفة وأهل الحرمين إلا أبا جعفر فإنه قرأ
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
« 2 » وكذا قرأ أبو عمرو . فمعنى القراءة الأولى حتى يصدر الرعاة مواشيهم ، ومعنى الثانية حتى ينصرف الرعاء فأفادت القراءتان معنيين وهما حسنان إلّا أنّ « يصدر » أشبه بالمعنى ، وزعم أبو حاتم أنّ المعنى حتى يصدروا مواشيهم . قال : ولم يرد حتى ينصرفوا إن شاء اللّه و « الرعاء » جمع راع كما تقول : صاحب وصحاب . قال يعقوب :
وذكر لي في لغة الرّعاء بضم الراء ، وأنكر أبو حاتم هذه اللغة ، وقال : إذا ضممت الراء لم تقل : إلّا الرّعاة بالهاء والذي أنكره لا يمتنع ، كما يقال : غاز وغزّاء وغزّا بالمدّ والقصر .
وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
قال أبو إسحاق : الفائدة في « وأبونا شيخ » أنه لا يمكنه أن يحضر فيسقي فاحتجنا ونحن نساء أن نخرج فنسقي .
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 24 ]
فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 )
هامش
( 1 ) هذه قراءة الجمهور ، انظر البحر المحيط 7 / 106 .
( 2 ) انظر البحر المحيط 7 / 108 ، وكتاب السبعة لابن مجاهد 492 .