وقد نالوا بهذا الإيثار أكمل الكرم والسخاء والجود ، إذ بذلوا ذلك الميسور من أقراص الشعير ، مع عسرهم الشديد ، ولم يراعوا في ذلك القريب والبعيد ، فأعطوا الأسير كما أعطوا اليتيم والمسكين . ولذلك دوى هذا العمل الصالح من هؤلاء العظماء في السماء ، حتى نزل في حقهم قرآن يتلى كل صباح ومساء .
ودخل الرسول الأعظم ( ص ) ذات يوم على ابنته فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها ، فرأى على باب بيتها ستارا وعلى يديها معاضد من فضة ، فأنكر ذلك بوجهه حتى عرفته منه ، ورجع عنها فلم يدخل عليها . فلما رجع خلعت الستار وشدت فيه المعاضد وبعثت بها إلى أبيها رسول اللّه ليفعل بها ما يشاء . وفرح رسول اللّه بذلك وقال : « فعلت ، فداها أبوها » .
وكانت تقوم في محرابها لربها حتى تورم قدماها ، وهي تدعو لجيرانها ، فسألها ابنها الحسن ( ع ) يوما : أماه مالي أراك تدعين لجيراننا ولا تدعين لنا فقالت : « الجار ، ثم الدار » .
ويصف القرآن الكريم أنصار رسول اللّه ( ص ) في مدينته الطيبة فيقول ، « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون » .
والإمام أمير المؤمنين ( ع ) يصف المتقين في خطبته لهمام فيقول : « نفسه منه في عناء والناس منه في راحة »
وبما أن فلسفة الزهد مبنية على أساس الإيثار ، والإيثار يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ، فكذلك الزهد يختلف هذا الاختلاف باختلاف الزمان والمكان ، إذ أن الإيثار في مجتمع فقير كالمدينة على عهد الرسول ( ص ) يشتد أكثر منه فيها نفسها على عهد حفيده الإمام الصادق ( ع ) . ولعل هذا هو سر اختلاف السيرتين : علي ورسول اللّه في جانب وأبناؤهما الأئمة الأطهار في جانب آخر .
إن زهد هؤلاء العظماء كان قائما على فلسفة الإيثار ، وأن الزهد الذي يبتنى على فلسفة الإيثار ليس من الرهبنة في شيء ، بل هو عظمة إنسانية فذة نابعة من أنبل عواطف الإنسانية ، وهو ينتج أقوى الروابط الاجتماعية على الإطلاق
.
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 149
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٤٩