بقوا « 1 » أبدا في النصب والعمل في الدنيا والآخرة .
وجائز أن يكون نصبها وعملها في النار ، وهو أنها لم تعمل في الدنيا ؛ بل تكبرت « 2 » عن طاعة الله - تعالى - فأعملها وأنصبها في الآخرة بمعالجة الأغلال والسلاسل في النار الحامية .
أو عملت في الدنيا بالمعاصي ونصبت في الآخرة ؛ فيكون فيه « 3 » تبيين العمل والجزاء .
وقوله - عزّ وجل - :
تَصْلى ناراً حامِيَةً
، أي : حارة ، قد أحماها الله - تعالى - من يوم خلقت إلى الوقت الذي يسقى منها .
وقوله :
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
قيل « 4 » : الآني : الذي قد انتهى في الحر غايته حتى لا حر أحر منه .
وقوله - عزّ وجل - :
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ
، اختلف في الضريع :
منهم من يقول : سمي : ضريعا ؛ لأنهم يتضرعون عنه ، ويجزعون « 5 » إذا طعموا .
ومنهم من جعل الضريع لونا من ألوان العذاب لم يبينه الله - تعالى - للخلق .
ومنهم من قال : الضريع : اسم لنبت قد عرفته العرب فيما بينهم تأكله « 6 » الإبل والدواب ما دام رطبا ؛ فإذا هاج ويبس تركت الدواب أكله ، وعافته لخبثه وكثرة ما عليه من الشوك ، ويسمونه : شبرقا في الربيع ، وإذا هاج وجف ، يسمونه ضريعا ، فذلك النبت في الدنيا يعمل في اسمان الدابة ويغنيها من الجوع ، فنفي الله - تعالى - وجه الإسمان والإغناء ، وحصل أمره على الخبث بقوله :
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ
، وهو كقوله :
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ
[ الواقعة : 28 ، 29 ] ، فالسدر اسم شجرة ذات شوك في الدنيا ، فأنشئت في الآخرة بلا شوك ، ووصف خمر « 7 » الجنة فقال :
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[ الواقعة : 19 ] ، والخمر في الدنيا تعمل في التصديع ، وهي تنزف « 8 » ؛ فنفى عنها هذه الآفات ، وجعلها شرابا سائغا لذة للشاربين ، فكذلك الضريع نفى به ما يقع به الإسمان والإغناء ، وحصل أمره على الخبث ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) في ب : لقوا .
( 2 ) في ب : يكترث .
( 3 ) في ب : في .
( 4 ) قاله السدي أخرجه ابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 573 ) .
( 5 ) في ب : ويخرجون .
( 6 ) في ب : تأكلها .
( 7 ) في ب : أحمر .
( 8 ) في ب : تنصرف .