قوله تعالى :
[ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 8 إلى 16 ]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 )
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 )
و
قوله - عزّ وجل - :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ . لِسَعْيِها راضِيَةٌ
، أي : ناعمة بما عاينت من عاقبة عملها الصالح في الدنيا ، ورضيت بما أوتيت جزاء عن سعيها في الدنيا ، جعل الله تعالى في وجوه الخلق يوم القيامة آثار صنائعهم في الدنيا : فمن أطاعه جعل علم طاعته في وجهه يوم القيامة ، ومن عصاه جعل أثره في وجهه يعرف به .
وقوله - عزّ وجل - :
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون قد علا قدرها ، وعظم شأنها ؛ فتكون
عالِيَةٍ
نعتا للجنة ، فوصفها بالعلو من هذا الوجه .
والثاني : يحتمل العلو من حيث الدرجات والمكان ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً
ما يحق أن يلقى من الشتم ومن كل ما يؤثم صاحبه ؛ بل هم كما وصفهم الله تعالى :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
[ الحجر : 47 ] .
ثم الذي يحمل المرء على شتم المرء إما ضغن أضمره في صدره ، أو خصومة حدثت بينهما ، أو آفة تدخل في عقله بسكر أو « 1 » ما أشبهه ، والله - تعالى - نفى عن الشراب الآفات بقوله :
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[ الواقعة : 19 ] ، ونزع الغل عن صدورهم ؛ فارتفعت دواعي السفه كلها ؛ فلا يسمع « 2 » فيها [ ما يحق ] « 3 » أن يلغى به .
وقوله - عزّ وجل - :
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ
، أي : عيونها جارية تأخذها العين ، وتجرى على وجهها ، ليست كمياه الدنيا في أن بعضها يجرى على وجه الأرض ، وبعضها تحتها ، نحو ماء القناة وماء البئر .
وقوله - عزّ وجل - :
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ
، قال بعضهم « 4 » : مرفوعة بعضها فوق بعض ، ترتفع ما شاء الله ، فإذا جاء ولي الله - تعالى - ليجلس عليها ، تطامنت له ، فإذا استوى عليها ارتفعت حيث شاء الله تعالى .
وقال بعضهم : معنى
مَرْفُوعَةٌ
« 5 » هاهنا : أنها أنشئت مرفوعة القدر عند أهلها ، فوعدوا
هامش
( 1 ) في أ : و .
( 2 ) في ب : مسمع .
( 3 ) في ب : بالحق .
( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 37037 ) .
( 5 ) في ب : المرفوعة .