تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وقوله :
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا .
قد ذكرنا فيما تقدم أن لا أحد يقصد قصد الاستكبار على اللّه تعالى . ثم يخرج هذا على وجهين : أحدهما : أنهم قد أمروا بطاعة الرسل - عليهم السّلام - فاستكبروا عن الائتمار لهم لما دعوهم إليه ؛ فيصير استكبارهم عليه كالاستكبار على اللّه تعالى . والثاني : لما تركوا عبادة اللّه تعالى وجعل في أنفسهم دلالة العبادة لله تعالى ؛ فإذا تركوا العبادة لله تعالى فقد تركوا الائتمار بأمره ، لم يعتقدوا الائتمار لذلك الأمر فيكون استكبارا عليه ، واللّه أعلم . وقوله :
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ .
يقول - واللّه أعلم - : فإن استكبر هؤلاء على عبادة اللّه تعالى فأوحشك ذلك ، فاذكر عبادة من عنده من الملائكة بالليل والنهار حتى تستأنس بذلك ، واللّه أعلم . وهو كقوله :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ
[ الأنعام : 10 ] كان يستوحش باستهزائهم به ؛ فذكر له استهزاء أولئك بإخوانه ليقلّ ذلك فيه ؛ لما علم أنه ليس أول من استهزئ به ، فهذا مثله . والثاني : فإن استكبر هؤلاء على عبادة اللّه وقد عبدوا الملائكة والأصنام وغيرهم ، فالذين هم عند ربك ممن عندهم هؤلاء لم يستكبروا ؛ بل هم مسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ، وهو كقوله - تعالى - :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
الآية [ الإسراء : 57 ] ؛ وكقوله - تعالى - :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
[ النساء : 172 ] يقول : إن استنكف هؤلاء عن أن يكونوا عبدا لله ، فالمسيح ومن ذكر لم يستنكفوا عن ذلك . وقوله تعالى :
وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ .
يخبر أنهم لا يسأمون عن عبادته كما يسأم البشر أحيانا عن عبادته ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ . . .
الآية . وقال فيما تقدم :
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
فيما ذكر من الآيات آيات وحدانيته ، وآيات قدرته وعلمه وتدبيره ، وآيات حكمته : أما آيات وحدانيته في الليل والنهار والشمس والقمر : هو أنه إذا كان سلطان أحدهما ليل أو نهار أو شمس أو قمر لم يمنع عن كون الآخر ، ولو كان ذلك فعل عدد لكان منع الآخر عن إتيان ما يذهب سلطانه ؛ فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 84 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم