تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ما ذكر في آية أخرى :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
[ القلم : 35 ، 36 ] ، وقوله :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
[ ص : 28 ] أي : لا نجعل هذا كهذا في هذه الحياة الدنيا ؛ فدل ذلك على أن هناك دارا أخرى فيها يقع ذلك التمييز والتفريق ، فعلى ذلك ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ .
صرف عامة أهل التأويل ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وإلى أبي جهل - لعنه اللّه - أنه أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلّم أن يدفع سيئة أبي جهل بالحسنة ، لكن هذا لا يحتمل ؛ لأنه لم يذكر أن أبا جهل صار لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كما ذكر حيث قال :
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
، بل دامت عداوته إياه إلى أن خرج على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يوم بدر وأغرى الناس عليه ، فرجع ذلك الإغراء إليه فقتل في ذلك اليوم ؛ فدل أنه لا وجه لصرف الآية إلى هذا . ثم يخرج قوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
على وجهين : أحدهما : ادفع سيئتهم في حادث الوقت بحسنة تكون منك إليهم ، أي : إذا أحسنت إليهم كفوا هم عن الإساءة إليك في حادث الوقت - واللّه أعلم - فيكون كقوله :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] . والثاني : أي ادفع سيئتهم بالعفو والصفح عنهم ، أي : لا تكافئهم بمساويهم ولكن تجاوز عنهم واصفح ، فإذا فعلت ذلك يصير الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، أي : لا يعاد ذلك ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
: على أمر اللّه تعالى والقيام بجميع أموره ، أو يقول : لا يعطى ولا يؤتى المعاملة التي ذكر ولا يوفق لذلك إلا من عزم على الصبر على ما أمر اللّه تعالى والصبر على ذلك . وقوله :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ .
يقول : ولا يعطى هذه المعاملة التي ذكر من الدفع بالحسنة والصفح عن المجرم إلا من كان له حظ ونصيب عظيم عند اللّه تعالى ، واللّه أعلم . وقوله :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ .
هذا يخرج على وجهين : أحدهما : جائز أن يكون الاستعاذة التي ذكر هي مباشرة الأسباب التي بها يدفع نزغ الشيطان ووساوسه ، أمره أن يأتي بالأسباب التي يتهيأ له أن يدفع بها نزغاته وغمزاته ،