وقال بعضهم : ذلك في كل مؤمن دعا الخلق إلى طاعة اللّه تعالى وعمل بنفسه ، واللّه أعلم .
وعن الحسن « 1 » أنه تلا قوله - تعالى - :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً
قال : هذا صفوة اللّه ، هذا خيرة اللّه ، هذا أحب أهل الأرض إلى اللّه تعالى ، أجاب في دعوته ، ودعا الناس إلى ما أجاب اللّه فيه من دعوته ، وعمل صالحا في إجابته ، قال إنني من المسلمين لربّه ، هذا خليفة اللّه تعالى .
قوله تعالى :
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 34 إلى 36 ]
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ .
قيل : و « لا » الأخير هاهنا زائدة كأنه قال : ولا تستوي الحسنة والسيئة ، وقد يزاد حرف « لا » في الكلام وقد ينقص ؛ فعلى ذلك هذا .
ثم جائز أن يكون قوله :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
، وقوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
كل واحد منها موصولا بالآخر ، يقول : لا تستوي الحسنة ، وجائز أن يكون كل واحد منها مقطوعا من الآخر على الابتداء ، فإن كان أحدهما موصولا بالآخر يقول : لا تستوي الحسنة والسيئة في جلب حب القلوب واللين والعطف لها ، بل الحسنة تجلب حب القلوب والميل إليها لا السيئة .
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي : ادفع بالحسنة دون السيئة ؛ وهو كقوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . . .
الآية [ آل عمران : 159 ] ؛ فعلى ذلك يقول هاهنا أن : لا تستوي الحسنة والسيئة في الطاعة والميل وجلب حب القلوب ، بل هما مختلفان مفترقان فادفع سيئتهم بالحسنة ، واللّه أعلم .
وجائز أن يكونا جميعا على الابتداء لا اتصال لأحدهما بالآخر ، فإن كان الابتداء فمعناه - واللّه أعلم - : أنكم تعلمون بعقولكم أن لا استواء بين الحسنة والسيئة ولا بين المحسن والمسئ ، وكذا لا استواء بينهما في الحكمة ، وقد رأيتم أنهما قد استويا في هذه الدنيا في جميع منافعها ولذاتها ، وجمع بينهما في هذه ، وفي الحكمة والعقول التفريق بينهما ، دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما في الجزاء والثواب فيهما - واللّه أعلم - وهو
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 30539 ) .