وهذا كالاستغفار الذي أمره به ، ليس هو أمرا بأن يقولوا : نستغفر اللّه بألسنتهم ، ولكن أمر بمباشرة أسباب يقع ويجب لهم المغفرة بها ؛ فعلى ذلك الاستعاذة .
والثاني : جائز أن يكون أمره بالاستعاذة إياه أمرا له بسؤال لطف من عند اللّه يدفع به نزغاته وهمزاته ، واللّه أعلم .
وعلى قول المعتزلة لا يصح الاستعاذة منه ؛ لأنهم يقولون : إنه قد أعطى كلاما به يدفع نزغاته وهمزاته متى لم يبق عنده شيء يملك إعطاءه إياهم من اللطف وغيره ، واللّه الهادي .
قوله تعالى :
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 37 إلى 39 ]
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ .
كأنه يقول - واللّه أعلم - : إن الشمس والقمر آيتان من آيات ألوهيته تعالى ووحدانيته كالليل والنهار أنهما آيتان من آيات اللّه تعالى ، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم الشمس والقمر ؟ ! واللّه أعلم .
أو نقول : إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه تعالى ، سخرهما لمنافع الخلق كالليل والنهار مسخرات للخلق والمنافع التي جعل فيها للخلق إن لم يكن أكثر لم يكن دون منافع الشمس والقمر ، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم هاتين ؟ ! يذكر هذا لأن منهم من كان يعبد الشمس ومنهم من كان يعبد القمر ونحوه ، يذكر سفههم بعبادة غير اللّه تعالى .
وقوله :
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ .
أي : اسجدوا لله الذي أنشأ هذه الأشياء وسخرها لكم .
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ .
أي : إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء تقصدون القربة عند اللّه تعالى ، أو إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء إياه تريدون ؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأشياء دون اللّه تعالى رجاء القربة عنده والزلفى لقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] يقول : إن كنتم إياه تقصدون بعبادة هذه الأشياء فاسجدوا له واعبدوا ؛ لما أمركم بالسجود له والعبادة ، واللّه الموفق .