تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان : أنه ينطق اللّه تعالى الأشياء التي عبدوها وعصوا بها ربهم ؛ فعلى ذلك ينطق اللّه الجوارح التي بها عصوا ربهم ؛ فتشهد عليهم بجميع ما كان منهم . وقوله :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ .
اختلف فيه : قال بعضهم : أي : ما كنتم تعلمون وتستيقنون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ، ظننتم أن اللّه لا يعلم كثيرا مما تعملون ، الظن هاهنا على هذا التأويل : حقيقة الظن ، أو الجهل ، أي : ولكن جهلتم أن اللّه يعلم كثيرا مما تعملون ، فلو كان تأويل الآية ما ذكر هؤلاء ففيه دلالة أن العذاب قد يلزم ويجب وإن جهل ذلك ولم يتحقق عنده العلم به « 1 » ، إذا كان بحيث إمكان الوصول إلى علم ذلك ومعرفته بالنظر والتأمل والتفكر بغير ذلك من الأسباب ، لكنه ترك التأمل فيه ، فلم يعلم ذلك ؛ فلم يعذر بجهله ، وهكذا الحكم أنّ من مكن له العلم وأسباب المعرفة فلم يتكلف معرفته ، لم يعذر في جهله ؛ ولهذا قال أبو حنيفة في الأطفال أن : لا علم لي بهم ؛ لما لا يعلم أنهم قد بلغوا المبلغ الذي يدركون الأشياء بالتأمل والتفكر أم لا « 2 » ؟ ! وقال بعضهم :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ
، أي : كنتم لا تقتدرون أن تستتروا من سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ، فأحد لا يستطيع أن يستتر من نفسه إذا عمل شيئا ، فذلك ظنكم أن ظننتم أن اللّه لا يعلم كثيرا مما تعملون في السر . وقوله :
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ .
أي : وذلكم جهلكم على ما ظننتم بأن اللّه - تعالى - لا يعلم ذلك ، وهو لا يخفى عليه خافية ، فظنكم ذلك أرداكم ، أي : أغواكم وأضلكم عن الهدى . وقال قتادة : يا ابن آدم ، إن عليك لشهودا غير متهمة : من بدنك ، فراقبهم ، واتق اللّه في سر أمرك وعلانيتك ؛ فإنه لا يخفى عليه خافية : الظلمة عنده ضوء ، والسر عنده علانية ، ومن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن ولا قوة إلا بالله . ثم قال : الظن ظنان : ظن منج ، وظن مرد « 3 » ، فأما المنجي فقوله :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
الآية [ البقرة : 46 ] ، وما قال :
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
[ الحاقة : 20 ] ، وأمّا الظن المردي فقوله :
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
، وقوله :
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : في عدم الغدر بالجهل . م . ( 2 ) ثبت في حاشية أ : توقف الإمام الأعظم في الأطفال . م . ( 3 ) ثبت في حاشية أ : ظن منج ، وظن مهلك . م .