تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
على الجبل ، وكان هو بحيث يملك قبول ذلك باختياره لقيام شرائطه - لكان هو يفزع ويخضع ويتصدع من خشية اللّه - تعالى - وكان لا يقبل ؛ مخافة ألا يمكنه أداء ما لزمه بنزوله ، وهو كقوله - تعالى - :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ . . .
الآية [ الأحزاب : 72 ] : فيقول : معناه : لو أنزلنا هذه الأمانات التي في هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا ؛ إذ الأمانات التي في هذا القرآن مما قد يلزم المرء لا يمكن أداؤها كلها ؛ لأن الأمانات مما يكثر عدها ، فضلا من أن يمكن أداؤها ؛ فعلى هذا التأويل يخرج على حقيقة التصدع أن لو أنزل عليه - مع عظمه وصلابته - لانصدع ؛ فعلى هذا تنبيه للخلق وتذكير لهم . وقال بعضهم : إن في هذه الآية تذكير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منته عليه وعلى جميع الرسل : لولا فضل اللّه ومنته على الرسل ، لكان لا يطيق أحد من الرسل حمل ما في الكتب ، ولا أداء ما افترض مدّكر ؛ فيسر عليهم وثقل العمل بما فيه ، فيقولون كذلك . وقوله - عزّ وجل - :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
: لثقل ما فيه ، لكنه [ نزله ] عليك ، ويسر ذكره [ و ] وفقك تبليغ ما فيه إلى أهله . وقال قائلون : إن اللّه - تعالى - لما أراد أن ينزل التوراة على موسى - عليه السلام - وكانت في لوح من زبرجدة حمراء - أمر الملائكة أن يحملوها فلم يطيقوا حملها ، ثم أمرهم أن يحملوا كل حرف منها ، فلم يطيقوا ذلك ؛ فخفف اللّه - تعالى - على موسى - عليه السلام - حتى حمل ذلك ، فكذلك ذكر ذلك في عيسى وداود - عليهما الصلاة والسلام - ثم خفف ذلك على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فكأنه يقول لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ . . .
كذا ، لكنه خفف ذلك عليك كما خفف على الأنبياء من قبلك ، وإليه يذهب الكلبي ، لكن إن صح هذا الخبر فإن ذلك الثقل لم يكن في تلك الكتابة التي في الألواح ، لكن ذلك فيما يلزمهم من العمل بذلك من أداء الأمانات وغيرها ؛ لأنه - تعالى - أخبر أنه لو كان أنزل هذا القرآن على جبل
لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
، وقال في موضع آخر :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ . . .
الآية [ الأحزاب : 72 ] . ثم كانت تلك الألواح قد احتملها الأرض ، وأمكن لموسى - عليه السلام - حملها ؛ فكذلك هذا القرآن كله والتوراة والإنجيل والزبور مما قد يحتمل حقيقة ، ويمكن كتابته في قليل الألواح ، ثبت أن المراد من ذكره ليس هو الحروف ، إنما « 1 » كان على ما فيه من الأمر والنهي وأداء الأمانات واتقاء اللّه حق تقاته ، لا على نفس تلك الألواح ، وهذا الذي ذكرنا
هامش
( 1 ) في أ : إن .