تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى . ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى
[ القيامة : 34 ، 35 ] ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ .
فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله ؛ لأن من علم وقت فعله أن اللّه - تعالى - مطلع على ما يرتكبه من الذنوب ويقربه من الشرور ، امتنع عنها وازدجر ، وقالوا : في قوله - تعالى - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
وعيد من أربعة أوجه : أحدها : في قوله :
اتَّقُوا اللَّهَ .
والثاني : في قوله :
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ .
والثالث : في قوله :
اتَّقُوا اللَّهَ .
والرابع : في قوله :
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ .
ثم ذكر هذا الوعيد خرج بعد ما خاطب المؤمنين ، كقوله - تعالى - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ
، فكان الوعيد في المؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة ، لكن المؤمنين يوعدهم عما هي معدة للكافرين ؛ لئلا يعملوا عملا يستوجبون بذلك ما أعد للكافرين ، وهو كقوله - تعالى - :
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
[ آل عمران : 131 ] ، ثم إن اللّه - عزّ وجل - سمى الآخرة باسم الغد ؛ لسرعة مجيئه ، وسمى الدنيا باسم الأمس ؛ لسرعة فنائها ، وهو كقوله :
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
[ يونس : 24 ] ، فيذكرهم ويعظهم بهذه الآية ؛ ليتفكر كل أحد في نفسه ما به : خلق للبعث ، أم خلق لأمر عظيم ؟ على ما ذكره اللّه ، تعالى . وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ .
قال بعض المفسرين « 1 » :
نَسُوا اللَّهَ
، أي : نسوا العمل للّه ، والنسيان هو الترك ، أي : تركوا العمل الواجب لله - تعالى - فأنساهم أنفسهم ، أي : خذلهم اللّه - تعالى - بما نسوا . ثم الوجه عندنا في الآية : أن ليس أحد من البشر يعمل عملا إلا وهو يأمل بذلك نفعا لنفسه ؛ إذ من لا يعمل للنفع فهو عابث في الشاهد في ذلك العمل ؛ فهؤلاء الكفرة لما لم يأتمروا بأمر اللّه - تعالى - ولم يطيعوا ، وتركوا العمل له - صار تركهم العمل لله - والعمل له عمل لأنفسهم - فصاروا تاركين العمل لأنفسهم ؛ فكأنه قال : نسوا أنفسهم ؛ فصاروا منسيين .
هامش
( 1 ) قاله سفيان أخرجه الطبري في تفسيره ( 33911 ) .