تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
والحجج فهو في العقول أحسن من الذي لا برهان عليه ، وكذلك كل عمل يستحق صاحبه عليه الثواب فهو في العقول مستحسن ، وما يستحق صاحبه عليه العقاب فهو في العقول مستقبح ؛ فلم يستويا . وأما الوجه الثاني : لا يستوي جزاء أهل النار [ و ] جزاء أهل الجنة ؛ إذ في الجنة النعيم الدائم ، وفي النار الشدة والنقمة الدائمة ؛ فلم يستويا ، يذكرهم اللّه - تعالى - هذا ؛ لينتهوا عن غفلتهم ، ويعملوا للّه - تعالى - حتى يستوجبوا بها الثواب في الآخرة . وقوله - عزّ وجل - :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . . .
الآية . اختلف الناس في تأويل هذه الآية : [ قال بعضهم : هي ] على التمثيل ، وهي على التنبيه والتذكير ، وذهبوا في ذلك إلى أن العرب إذا استقبلهم أمر ، وأرادوا أن يصفوه بالعظم والشدة كانوا يضربون الأمثال بما يعظم ذلك عندهم وصفه - لم يكن يريدون به الحقيقة في ذلك ، وهو كقولهم عند شدة الأمر : أظلم علي ما بين السماء والأرض ، وكقولهم : ضاقت علي الأرض برحبها ، وكما وصف اللّه - تعالى - من أمر لوط - عليه السلام - :
وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
[ هود : 77 ] . فهذا القول من العرب إنما كان على التمثيل فيما يريدون أن يصفوا الشيء بغايته لا على الحقيقة ؛ لأنه معلوم أن الدنيا عليه كما كانت لم تتغير ، وكذلك لم يظلم عليه ذلك ، لكنهم تكلموا على التمثيل من شدة ما نزل بهم من الأمر ، وكذلك قوله - تعالى - :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . . .
، يقول : لو كانت هذه الحجج أنزلت على جبل مع صلابته وشدته ، لخضع لله - تعالى - وانصدع ؛ من خشيته على وجه التمثيل ، لكن قلوب هؤلاء أقسى منه ؛ حيث لم تخضع ولم تخشع ، وهو كقوله :
كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ البقرة : 74 ] ؛ إذ الحجارة قد تكون فيها منافع : نحو خروج الماء وغيره ، فأما قلوب هؤلاء الكفرة فليس فيها شيء من المنافع ، بل هي قاسية لا تخشع ولا تتصدع ، وعلى ذلك حملوا تأويل قوله - تعالى - :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
[ مريم : 90 ] على التمثيل ، ليس على حقيقة ذلك . وقال قائلون « 1 » :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ
: إنه حقيقة ذلك الفعل منه : وهو الانصداع والخشوع ، وكذلك تأويل قوله :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
[ مريم : 90 ] ، فمعناه : لو كان نزول هذا القرآن وما فيه من الأحكام والأمانات التي أوجب على البشر
هامش
( 1 ) قاله قتادة أخرجه الطبري في تفسيره ( 33913 ) .