تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
فقال - عليه السلام - : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه » « 1 » ، قالت : يا رسول اللّه ، لا تقل ذاك ؛ ما ذكر طلاقا ، ولم يرد عليها اعتقادها في أن الظهار طلاق ، وكذلك ما روي في رواية أخرى في حديث طويل : جعلني عليه كظهر أمه ، ثم تركني إلى غير شيء ، فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول اللّه ؟ فقال - عليه السلام - : « أطلقك ؟ » قالت : لا ، قال : « ما أمرت في شأنك من شيء » ، ولو كان الظهار طلاقا بعد الإسلام قبل نزول هذه الآية لما قال : « أطلقك ؟ » بعد ما قالت : « جعلني عليه كظهر أمه » ، ولما قال : « ما أمرت في شأنك من شيء » ، وحكم شريعته أنه طلاق مزيل للملك ، دل هذا يقرر ما قلنا إنه ذكر في حديث خولة وأوس أنه أول من ظاهر في الإسلام فكيف يكون طلاقا ؟ ! فإن قيل : أليس صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه » ، والحرمة التي لا ترفع النكاح بالظهار إنما ثبتت بعد نزول الآية ، والآية نزلت بعد صدور القول من أوس بن الصامت ؛ فدل أن مراده تحريم الطلاق ، فهذا يدل على أن هذا الحكم كان ثابتا في شريعته قبل نزول آية الظهار بوحي غير متلو وإن كان قبل ذلك في حكم الجاهلية ، فكذلك ذلك الزوج قال للمرأة - أيضا - : « ما أراك إلا وقد حرمت علي » ؛ دل هذا على أنه كان طلاقا قبل نزول الآية . [ قلنا ] : هذا حجة عليكم ؛ فإنه لو كان المراد بقوله - عليه السلام - : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه » إثباتا للحرمة فيها بالظهار ؛ لكونه طلاقا ، فكيف يحكم عليها بالحرمة بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه ، وقد صح في الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا أوسا وامرأته بالكفارة ، وأبقى النكاح بينهما « 2 » لو كان ذلك طلاقا ؟ ! والمثبت حكمه إنما ينسخ بالآية الثانية إلى حكم آخر ، فظهر ذلك في المستقبل لا في الماضي ؛ فدل أن هذا حجة عليه ، ولكن إنما قال : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه ؛ » للوجهين اللذين ذكرناهما ، واللّه أعلم . فإن قيل : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يحكم بالطلاق في حقها ، مع أن الظهار كان طلاقا بطريق القطع ، بل قال : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه » على طريق الظن ؛ لأنه جائز أن يكون اللّه تعالى قد أعلمه أنه سينسخ حكم هذا القول وينقله من الطلاق إلى تحريم المتعة ، فلم يقطع القول فيه حتى نزلت الآية .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس ، وعبد بن حميد وابن مردويه ، والبيهقي في السنن عن أبي العالية مرسلا ، كما في الدر المنثور ( 6 / 264 ، 267 ) . ( 2 ) تقدم .