تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
قيل : لو كان ذلك حكما ثابتا مقررا في شريعته ، لم يمتنع النبي صلى اللّه عليه وسلم عن العمل به ، وحكمه بذلك ما لم ينزل عليه الناسخ وإن أعلم أنه سينسخ ؛ لأنه يجب عليه العمل بما أنزل عليه ؛ لقوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ المائدة : 49 ] وقوله :
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[ المائدة : 67 ] ، وإذا ورد الناسخ بخلافه يكون عمله في المستقبل لا فيما مضى ، وإنما يستقيم هذا على ما قلنا : إن الظهار قبل نزول الآية لا حكم له في الإسلام ، وكان تحريما في الجاهلية ؛ فمتى وجد هذا السبب ، ووقعت هذه الحادثة ، أمرها بالاجتناب عن الزوج ؛ احتياطا حتى نزلت الآية ؛ فيظهر أن حكمه ما هو ؟ من حين وجوده ؛ إذ يجوز أن يريد اللّه تعالى بهذا هذا الحكم ، وإن كان لا علم للمباشر به ؛ إذا كان بحيث يمكنه الوصول إلى العلم به عند الحاجة إلى العمل به ، والحكم كالنص الذي ورد مجملا في إيجاب حكم ، ثم ورد البيان متأخرا ، والنص العام الذي يتأخر بيانه على خلاف ظاهره ؛ فعلى ذلك هذا ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
، أي : سمع قولها ومجادلتها في زوجها ، ومجادلتها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سؤالها إياه عما ابتليت بقول زوجها لها : « أنت علي كظهر أمي » . [ و ] المجادلة هي المخاصمة ، وهي المحاورة ، وكان مجادلتها في زوجها أن قالت : « واللّه ما ذكرت طلاقا » ، حين قال لها بعد ما قال لها : « إن خرجت من الدار ، فأنت علي كظهر أمي » ، وخرجت - : « ما أراك إلا وقد حرمت علي » . وأما مجادلتها مع النبي - عليه السلام - ومحاورتها هي قولها : « لا تقل ذلك » ، وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه » ، فهذه محاورتهما . ومن الناس من يقول : المحاورة : هي المراجعة في الكلام ، وهما يرددان الكلام ويراجعانه ويكررانه ، وهو ما ذكر أن النبي - عليه السلام - يكرر قوله : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه » ، وهي تردد وتكرر قولها : « لا تقل ذلك يا رسول اللّه ؛ فإنه ما ذكر طلاقا » ، ولكن هذا قريب من الأول . وقال بعض أهل اللغة :
تَحاوُرَكُما
، أي : كلامكما ، والتحاور : الكلام بين اثنين . وقوله - عزّ وجل - :
وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما
قيل فيه بوجهين : أحدهما : أن تشتكي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لكن اللّه تعالى أضاف إلى نفسه ؛ لأن مرادها أن تنزل آية من اللّه تعالى على رسوله بالفرج عنها . والثاني : أن شكواها إلى اللّه تعالى وتضرعها قد كان حيث لم تجد الفرج والمخرج فيما قال لها رسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « ما أراك إلا وقد حرمت عليه » ، فاشتكت
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 548 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم