تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
المشي كناية عن الأمور ، والنور كناية عن البصر ، واللّه أعلم ، وهو كقوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ
[ الأنعام : 122 ] أي : لا سواء ، وهو كناية عما ذكرنا ليس بتصريح . والثاني : على حقيقة إرادة المشي ، وحقيقة النور ، وذلك يكون في الآخرة ، كقوله :
يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا . . .
الآية [ التحريم : 8 ] . وقال أهل التأويل : النور هاهنا القرآن ، أي : أعطاكم قرآنا يفضي بكم إلى سبيل الخير ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
الغفران من الستر ، كأنه يقول : يستر عليكم مساويكم بينكم ؛ لأن ذكر المساوي ينقصهم النعم ، ويحملهم على الحياء من ربهم . وقوله :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، أي : يرحمهم ، ويخلدهم في جنته . وقوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
أجمع أهل التأويل واللغة أن حرف « لا » زيادة هاهنا وصلة ، أي : ليعلم أهل الكتاب ، وقد يزاد في الكلام حرف « لا » ويسقط بحق الصلة ، يعرف ذلك أهل الحكمة والفقه ؛ كقوله تعالى :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء : 176 ] ليس يبين لنا أن نضل ، ولكن يبين لنا لنعلم ونهتدي ، فعرف الحكماء والفقهاء أن كلمة « لا » أسقطت هاهنا ؛ فعلى ذلك عرفوا أن حرف « لا » هاهنا في قوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ
زيادة ، معناه : ليعلم أهل الكتاب : أن لا يقدرون على شيء من فضل اللّه . ثم لا يحتمل أن يكون ذكر قوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
على غير تقدم قول كان منهم حتى خرج هذا جوابا لهم عن ذلك ؛ ولكن يذكر شيئا يشبه أن يكون الذي ذكر هو جواب ذلك الذي كان منهم ، وهو أنهم كانوا أهل كتاب وأهل علم بالكتاب ، يرون لأنفسهم فضلا على غيرهم وخصوصية ليست لغيرهم عندهم ، فلما بعث اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم رسولا إليهم وإلى الناس كافة ، وأنزل عليه كتابا ، وهو أمين عندهم ، وذكر في كتابه ما كان في كتبهم ، وأمرهم باتباعه والانقياد له والطاعة ، وأحوجهم جميعا إليه وإلى ما في كتابه ، أنكروا فضل اللّه عليه وإحسانه إليه ، فعند ذلك قال :
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
، أي : يفضل من شاء على من يشاء ، ليس ذلك إليهم . ثم [ في ] قوله تعالى :
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
دلالة نقض قول المعتزلة في أن اللّه تعالى قد أعطى كل شيء ما يقدر على الوصول إلى جميع فضائله وإحسانه ، وقد أخبر
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
، والمعتزلة